فلنبدأ بالرقابة الخفية

نمرة ٣٦

ظهرت بطاقات تعريفية غامضة على ملابس في إنجلترا توضح ظروف عمل السيدة التي خاطتها وهناك اقتراحات بأن يكرس هذا ممارسة جديدة تلتزم بها مشاغل السخرة: فعلى الأقل سيعرف الزبون ماذا يشتري، بالضبط كالتحذير على علبة السجائر.

الفكرة ممتازة وتشبه فكرة تلح علي منذ سنوات بخصوص الرقابة الخفية. فالناشر يضع على الكتاب وصفا من نوعية “مبسطة”، “مختصرة”، “ترجمة”، “إعداد”، “تحقيق”، ويجب أن يضيف عند الحاجة “خاضعة للرقابة”. ويتعين إلى جانب قضية حرية الرأي والتعبير أخذ نقاش الرقابة إلى منطقة “الغش التجاري”، على الأخص في الترجمة لاعتبارات التجارة العالمية وكون الغش يحدث في اتجاهين (أصحاب الحقوق الأجنبية والمتلقي المحلي)، ولكن أيضا في الإنتاج الأصلي.

الرقابة الخفية أسوأ كثيرا من الرقابة العلنية: في الثانية نعرف بوجود الرقابة ونبحث عن الأجزاء المفقودة؛ في الأولى نكون رهناء المحبسين (العمى والسجن). النسخة التي نقرأها مثلا من رواية نجيب محفوظ الحب تحت المطر نسخة شوهها الرقيب في مجلة الشباب حيث نشرت أول مرة في بداية السبعينات، ولأن نجيب محفوظ معروف بمعاملته السيئة لمخطوطاته، فالأصل ضائع.

بالصدفة منذ فترة طالعت ترجمة ماهر نسيم لرواية هكلبري فن من سلسلة…

View original post 185 more words

Advertisements

أحقا “كل ما نحتاجه أن…نواصل الكلام”؟

نمرة ٣٦

لا أدري إن كان ثمة تراثا بخلاف العربي يحفل بأقوال تعبر عن رسالة متناقضة جوهريا هي لا جدوى الكلام—بالذات في أوقات بعينها. فمن الآية القرآنية “وكان الإنسان أكثر شيء جدلا” مرورا بالسيف “أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب” إلى “غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك أو ترنم شادي” إلى خاتمة قصيدة يبدأها صلاح چاهين بدعاء أن يكون لكلامه معنى وفائدة قائلا: “إحنا ف وقت بنا ما احناش ف وقت الكلام / يجعل كلامي حجارة ومونة وحدايد”، لدينا خط متصل ربما أصبح جزءا من الأيديولوچيا السائدة. وصحيح أيضا أن أنظمة سياسية غير عربية (شمولية بالذات) استخدمت هذه الدعاية بشكل نمطي فانتحت منحى معاديا للمثقفين (غير الممتثلين) بطبيعة الحال، من ’پروفيسورات المقاعد الوثيرة‘ بتعبير لينين إلى الملاحقات الفاشية والنازية لأهم المفكرين اليساريين والليبراليين.

وفي عز الزمن الثوري، ناهيك بزمن انحسار الثورة، لم تتوقف أبدا نغمة لعبها الجميع وعلى رأسهم الثوريون أنفسهم هي: كفى تنظيرا! ( = إلى…

View original post 809 more words

واحدة أخرى تماما

sayyed

أثارت دنيا سمير غانم جدلا بأغنية عن علاقة استعبادية ترضي البنت. فما الذي تقوله لنا الأغنية والجدل عن حالة العلاقات العاطفية في مصر ومكان الأنثى فيها؟ وكيف يمكن التعامل مع ذلك؟

أثارت أغنية “واحدة تانية خالص” استياء الكثيرين، إذ تعبر عن الاستسلام بسعادة لحبيب يُخشَى مجرد ابتعاده قليلا بينما يجبر حبيبته على تغيير حياتها — من ارتداء الملابس على هواه وتلبية كل رغباته إلى التماهي مع وجهة نظره بتبعية وتنفيذ “التعليمات بالحرف”؛ وتشمل انتقاءه لصديقاتها ومنعها من التحدث إلى ذكور. وهي تبرر هذا الوضع، الذي لا تستغرب فيه إلا رضاها برغم أن هذا انقلاب في شخصيتها، بأن حبيبها “سيطر” بسبب تفُّوق خبراته وتأثيره. يصف المعترضون الأغنية بأنها صادمة ومتخلفة وعن علاقة مَرَضية تجاوزتها بنات اليوم.

أما المعجبون فغاظهم رد فعل “النسويين” والمدافعين عن “حقوق المرأة”، وهم يستخدمون هذه التصنيفات باستهزاء. ومن ناحية يستنكرون المزايدة على مجرد أغنية جميلة والعجز عن تذوقها من دون عقد أو أدلچة، ومن ناحية لا يرون غضاضة في أن يصل الحب بفتاة إلى هذه الدرجة من التضحية والاستغناء بالحبيب/الزوج عن الدنيا (وعن نفسها طالما أن هذا يسعدها). لكن جزءا من إعجاب الذكور بالأغنية يقوم على مغازلتها لأحلامهم: فتاة جميلة ومطيعة ومسحورة وبريئة (وإن شكك بعضهم آسفا في براءة ماضيها).

الاستعارة المستخدمة عادة في مصر لوصف الرجل موضوع الأغنية هي “سي السيد”، لقب الزوج المحترم من غير الأفنديات عند زوجته في حقبة مضت، وإشارة إلى شخصية الزوج والأب المرهوب والمحبوب كإله في ثلاثية «بين القصرين» لنجيب محفوظ. لكن الدلالة السلبية للتشبيه قد تخف، أو في مثل حالتنا تختفي.

أهي نقلة إلى الوراء؟ السؤال مشروع بعد مرور عقود وتحولات اجتماعية عميقة في دور الإناث وحقوقهن وصورتهن وتحولات سياسية آخرها الرفض الشعبي لحكم الإسلاميين في أعقاب ثورة تصدرها جيل هؤلاء الشباب على طرفي السجال — ثورة لم تُعرَف جماهيرها الشابة بميول محافظة أو متوافقة مع الثقافة السائدة بل ربما العكس.

وفي النهاية، قد تكون مبالغة أن نعتبر أغنية واحدة مهما حققت شعبية وأثارت جدلا علامة خطر. لا يتسع المجال لإحصاء أو ضرب أمثلة لأعمال مغنيات عربيات معاصرات (من تأليف رجال دائما) تتسم بالجرأة – في الكلمات و/أو الأشرطة المصورة – وتحدي فوقية الذكر وتضع البنت في موقف مختلف عما تريده لها القيم الذكورية والتقليدية، التي تمتلئ بها بدورها الأغاني الحديثة (للمغنين الذكور بالذات) سواء في موسيقى المناطق الشعبية أو الپوپ العربي. وتكمن صدمة الأغنية ليس فقط في أنها سابقة جاءت في حقبة ثورية تتناقض مع اضطهاد الأنثى، ناهيك بانسحاقها، وإنما أيضا في انتسابها لفنانة تعبر عن جيل شابات من طبقة متوسطة وحضرية، ويشي الجدل القائم بصراعات هوية عنيفة داخلهما.

وبرغم أن التيار السائد يظل كذلك بحكم التعريف، إلا أن وجها للاعتراض على الأغنية تمثّل في اعتبارها شاذة، أي تروّج لأفكار وشخصية لم تعد منتشرة أو مقبولة وتضخمها بفجاجة تقوي من تأثيرها جماهيرية المغنية، لإقناعنا بأن هذا موجود وطبيعي وجميل وترغّبنا فيه. فمن لا ترغب في علاقة حب هادئة وناجحة أيا كانت التنازلات في هذه الأوقات العصيبة؟ ومن لا يرغب في تصديق خيالاته وأن البنات يمكن إخضاعهن وأن التخلص من أعتى الميول الذكورية غير ضروري؟

غير أن الموسيقي المستقلة أو البديلة ليست تقدمية جدا في الواقع. فباستثناءات نادرة، أكثرها جذرية من لبنان، لا تخرج أغنية الحب العربية البديلة عن الدوائر المرسومة، بل وتقع في فجاجة الذكورية نفسها. من أشهر الأمثلة أداء دنيا مسعود لأغنية “دنيا يا دنيا”، لشاعر شعبي صعيدي، التي تعيِّر رجلا بلعب دور مقلوب مع زوجته، وأغنية “إيه يعني” لفريق «بلاك تيما» عن شاب ينهي علاقته بفتاة مُلمِّحا إلى ماضيها غير المريح ومستنكرا تصرفاتها مقارنة بجمالها المتواضع. ويتجاوب جمهور الحفلات من الفتيات بصراخ حماسي مبتهج.

إخضاع الفن للرقابة واللياقة ومتطلبات التوعية ليس هو المطلوب. أكد أنطونيو جرامشي، المنظِّر الماركسي للهيمنة الثقافية والمناهض للفاشية، على ضرورة أن يواجه الثوريون الأعراف والقيم السائدة، المعادية، بأخرى جديدة مضادة. وللثورة الاجتماعية معنيان في القاموس الثوري، يشمل أحدهما، من ضمن أشكال مقاومة وتغييرات ثقافية وفكرية وفنية جذرية كثيرة، أغاني أكثر تحررا عن العلاقات، وربما احتاج هذا أولا علاقات أكثر تحررا — البيضة أو الدجاجة أيهما أقرب.

المجهولية

كلنا عبد الناصر.

المجهولية شيء صحي جدا. فغير التجرُّد الذي تتيحه لنا، والأريحية التي تمنحها للكاتب، على الوجه الآخر لعملة الإثارة الرخيصة الملتمسة في التكهن والإشاعات (التي تجرنا بعيدا عن الموضوع الذي خلا لنا وجهه–“من هو مهدي حيدر؟”) هناك المتعة المستقاة من التعرف على جوهر إنسان ظننت أنك كنت تعرفه، لكن المجهولية تجعلك لا تتعرف عليه، ربما لأنك لم تكن تعرفه حقا، ربما لأنه يُظهر محميًا بمجهوليته أشياء يكتمها عادة، أو بالأحرى تستره بغلالة نصف شفافة معلِّلة. هذه هي المتعة التي أشعر بها وأنا أقول لنفسي: كيف لم أخمن أن القارئ الشعبي هو فلان أو صاحبة بونوبولوجيا هي فلانة؟ يشبه الأمر قليلا المتعة المجلوبة بالتعرف على متصل لا تحتفظ برقمه، عن طريق صوته أو كلامه، أو اكتشاف شخص وهو يتخلص من تحفظه ووقاره وقناعه بعد بضعة كئوس أو بضع لفافات. وتشبه النشوة المتجاوزة الناتجة ما يصفه بودلير في سأم باريس عند فناء روحك فجأة في الآخر أو تماسها معه.

في جامعة كامبريدج في عقد 1920 بدأت سلسلة من التجارب على يد الناقد إ.أ. رتشاردز، ظهر بسببها فرع جديد من النقد الأدبي يسمى ’النقد العملي’. في التنويعات المختلفة للتجربة التي أجراها رتشاردز على الشعر، قُسِّم الطلبة إلى مجموعتين، قرأت كل منهما النصوص نفسها (قصصا قصيرة، قصائد) مرة موقَّعة ومرة مجهَّلة، لكتاب معروفين ومغمورين، ثم تبودلت الأدوار، بنصوص أخرى للكتاب أنفسهم، وفي بعض الحالات مع نَسْب النصوص بشكل خاطئ متعمد إلى غير أصحابها، فيوضع اسم هذا الكاتب الكبير على ذلك النص المتواضع وبالعكس.

كانت النتيجة متفاوتة بشكل مذهل. فثقل اسم كاتب معين يفرض عليك نفسه لترفع تقييمك وتتأثر في الحكم والتفسير بما تعرفه عنه، بينما غيابه يخلصك من كل ما ذلك ويجعلك أكثر موضوعية بمراحل.

إذا كانت كل أعمالنا مجهَّلة، لتغيرت أشياء كثيرة؛ الشللية ليست الشيء الوحيد.

الرقص حول الموضوع: تعليق على حملة «سياسة ثقافية لكل المصريين»

هناك شيء محير بخصوص هذا الملصق. فلماذا وبأي منطق في الدنيا تتضامن راقصة مع حملة لحرية التعبير بأن تعلن عن حقها في … الاستماع إلى الموسيقى؟

هذا الملصق هو واحد من سلسلة ملصقات تؤكد على الحقوق المنصوص عليها في المادة 27 من «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، ضمن حملة أطلقتها «المجموعة المصرية للسياسات الثقافية»، في المورد الثقافي. وصاحبة الصورة في الملصق هي كريمة منصور، الراقصة المعاصرة.

ويصور ملصق آخر، أدناه، قبائليين مصريين من البجا (البشارية) يؤدون رقصتهم رقصة الوثب بالسيف. ومهما يكن من فحولة الرقصة، يغفل النص، مرة أخرى، ذكر الرقص.

وهذا ما يفعله أيضا البيان التأسيسي، الذي يُعدِّد أنواع التراث المصري المعماري والبصري والموسيقي واللغوي إلى جانب تقاليد الحياة الاجتماعية. والغياب الواضح هنا للفنون الأدائية يشمل المسرح أيضا، لكن أحد الملصقات، ونصه “من حقي أمثل”، يعوض غيابه جزئيا. حتى مصطلح جامع مثل “الفنون الأدائية” أصبح محكوما عليه من قبل المدافعين عن الحقوق الثقافية في مصر في الحقبة الثورية باعتباره خلافيا أكثر من اللازم.

ولكن مهلا، على الأقل لدينا راقصة متنكرة في هيئة مستمعة قلقة، ومحاربون غابرون يطمئنوننا إلى كيف يمكن لهذا الفعل المسكوت عنه أن يكون رجوليا، وعلى طول الخط لدينا أناس يرقصون … حول الموضوع.

wpid-sakafa-lkol-elmasreen-500x333.jpg.jpeg

تحديث:

تعقيب من كريمة منصور على تويتر مفاده أن الأمر لا يتعلق بها وإنما بكل أشكال الفنون وحرية التعبير من خلالها، وأن الرقصات التي تصورها الملصقات كالتنورة والتحطيب رقصات نمطية ومألوفة لتقريب الفكرة. (وهذا على اعتبار أن منظر بنت أو امرأة ترقص ليس نمطيا أو مألوفا في مصر).

تحديث 2:

“من حقي أرقص” أخيرا. ربما يكون هو المشار إليه في رد كريمة منصور بما أنه يصور راقص تنورة. لا يوجد على البطاقة البريدية ما يثبت تاريخ طباعتها. ويظل الراقصون بالطبع رجالا في رقصات تقليدية (دينية هذه المرة).

Screen Shot 2018-01-03 at 1.18.50 AM

 

حرية التعبير للكبار تبدأ بحرية الخيال للصغار

“‘سيسي ليس اسما،` قال السيد جرادجرايند، “لا تسمي نفسك سيسي. قولي إن اسمك سيسيليا.`” (أوقات عصيبة، تشارلز ديكنز)

متى أبلغ أحد عن رقابة فإنه إنما يعني الرقابة القابلة للرصد، قمة جبل الجليد الذي كتلته الأساسية هي الرقابة المستترة، وتشمل الرقابة الذاتية. وزد على ذلك أننا نحن المسافرون دائما ما نفقد رؤية المحيط: التعليم–الحرب الشاملة التي تُشن علينا قبل ما يسمى سنوات التكوين بوقت طويل.

يمكن بشيء من التبسيط النظر إلى كل معركة خاصة بحرية التعبير على أنها مواجهة بين أولئك الذين نجوا بشكل ما من النظام التعليمي وأولئك الذين لم ينجوا. وهذه القضية النخبوية بصورة متأصلة مكتوب عليها الفشل، وليس سببا هينا وضع النخبة كأقلية، علما بأن هذه ليست النخبة التي تتركز في يدها السلطات الحاكمة للمجتمع، والتي تحبذ مصالحها العليا مثل هذا النظام.

وليست هناك حكمة في أن نتوقع مناصرة الجماهير للحرية الفكرية وهم، قبل التلاعب بهم بالإعلام وبالأيديولوجيا السائدة بوقت طويل، مجردون أصلا من ذات الحرية المطلوبة لتعلم تكوين الرأي المستقل وإطلاق العنان للخيال. وفي بلاد متخلفة كمصر، يشيع النظر إلى حرية الرأي والتعبير كمطلب فئوي لا يُعني إلا الأفنديات، الغرباء المغتربين–منفصل عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

ولكن ميل أولئك الأفنديات (الحقوقيين، الكتاب التقدميين، إلخ) إلى وضع كل رهاناتهم على مثل هذه المطالب الأساسية ولكن غير الجذرية، إن جاز التعبير، بالحرية الأكاديمية (على مستوى الجامعة) وحرية الصحافة والحقوق الرقمية، يزيد الأمر سوءا بجعل القضية في واقع الأمر تحصيل حاصل، كأن هناك رأي (حر) أو فكر (مستقل) أصلا وكل المطلوب، كل ما هو مهدد، هو فرصة التعبير عنهما.

وهي نظرة شخص جاء متأخرا من شأنه على النحو نفسه االدفاع عن الحرية الجنسية لكائنات تعسة تم إخصاؤها وختانها ختانا جائرا في وقت مبكر وأفلت منهم من أفلت.

(في الصورة: فصل دراسي للبنات في بريطانيا الڤكتورية)

[ هذه تتمة لجزء مبتور من مداخلة في ندوة أقامتها الجامعة الأمريكية حول حرية التعبير لمناسبة إطلاق موقع freespeechdebate.com شارك فيها القائم عليه. وكانت المداخلة بشكل أساسي عن دور النخبة المصرية والجامعة الأمريكية بالذات في تأخير قضية حرية التعبير بسبب ازدواجيتهما.]