أنقذوا عامل التليفون!

مر قرن وربع تقريبا على اختراع السيور الناقلة، وهي خطوة كبرى في تطوير نظام خط التجميع، وفي الصناعة نفسها، وأصبحنا في اقتصاد خدمي بشكل متزايد، إلى حد استخدام وصف ’التراجع عن التحول الصناعي‘ أو ’الاقتصاد ما بعد الصناعي‘، إيجابا أم سلبا، واكتشف الرأسماليون أن اختراعهم المستحدث للسيطرة على إيقاع وكمية الإنتاج أتى بعد قليل بنتيجة عكسية نتيجة تذمر وتبلد العمال الذين أهينت كرامتهم وذكاؤهم وحرفيتهم نفسها بهيمنة الماكينة (مشاهد تشارلي تشابلن الأيقونية في «العصور الحديثة» تصور هذا الجنون بشكل ربما تخفف السخرية فيه من الرعب الكامن في هذا النوع من العمل)، وتوصلت بلدان مثل اليابان إلى نظم إنتاج يعطى العمال فيها قدر كبير من التحكم في إيقاع وكم الإنتاج، لأن هذا هو الأنفع للرأسماليين أنفسهم قبل كل شيء وليس من باب ما يسمى الديموقراطية الصناعية، فعبارة ’العمل وفقا للقواعد‘ تدل للمفارقة على نوع من أنواع الإضراب يسمى ’الإضراب الإيطالي‘ ويسميه الإيطاليون أنفسهم ’الإضراب الأبيض‘، لا على الانضباط في العمل.

ومع ذلك، وعلى مدار ثماني ساعات عمل يومية، يقوم عامل تليفون خدمة العملاء في سلسلة المطاعم أو شركة تشغيل الهواتف النقالة، ليس فقط باتباع سيناريو مرسوم مع الزبون تفرضه طبيعة العمل، بل بترديد الديباجات نفسها ولا يترك المجال لذوقه واختياره وشخصيته ومزاجه بالتعبير، وهو المهدد أصلا، مع طائفة أخرى من المهن، بإصابة الإجهاد التكراري، بسبب وقفته ووضعه وحركاته الثابتة طوال هذا الوقت. يوصى المترجمون الفوريون مثلا بأخذ راحة عشرين دقيقة بعد كل عشرين دقيقة لتجنب إصابة الإجهاد التكراري.

عندما نتحدث عن حقوق العمال، الصناعيين منهم والخدميين والاحترافيين، فإننا نراوح مكاننا الذي لم نبرحه كثيرا منذ عقود كثيرة، كما أننا لا نبرح الصندوق الذي نفكر داخله: الأجور والتأمينات (التي لا تغطي عللا ’خفية‘ مثل إصابة الإجهاد التكراري أو الجنون الذي يلحق بتشارلي أو العنف أو الاكتئاب أو معاقرة الشراب أو التعاسة الجنسية أو أو أو)، وحتى يوم العمل فقد أصبحنا قلما نتحدث عن تقصيره أكثر وزيادة العطلات، لتظل مقترحات برتراند راسل منذ 80 عاما بيوم عمل أربع ساعات (“في مديح التبطُّل” “In Praise of Idleness”) توحي بعالم خيالي مستقبلي (وإن كانت الصورة المستقبلية للعالم أصبحت مرتبطة بالدستوبيا لا اليوتوبيا كما في أفلام وكتابات ’الحقبة الجميلة‘). ولا أحد يعرف مثلا لماذا نستهلك كل هذا العمر والوقود وكل شيء خمسة أو ستة أيام في الأسبوع في الذهاب إلى والعودة من محال عملنا لإنتاج أشياء غير مادية كان بالإمكان إنتاجها من المنزل أو أي مكان آخر، إن كان من الضروري إنتاجها أصلا.

بحق الشيطان، ما معنى أن يطلب من فنان، رسام كاريكاتير مثلا، قضاء ساعات عمل معينة في مكان عمل لإنتاج فنه؟ سيقول المدافعون عن النظام والمتماهون معه، متذاكين، أن الفنانين ينتجون برغم ذلك، أو حتى بفضل ذلك! وفنهم جيد ومقدَّر أو حتى عظيم! لكن الخدعة الكبرى هي أننا نقارن ما هو كائن دائما بما كان، وليس بما يمكن أن يكون، وبمنطق من داخل العملية لا من خارجها، هذا إذا لم نرد نحن غير المتذاكين بلفت النظر إلى أطنان الأدلة التي توفرها العملية نفسها على الفشل وتعطيل التطور (وطبعا هناك في هذه الحالة ردود متذاكية جاهزة أخرى على شاكلة أقوال تشرتشل البلاغية عن الديموقراطية، يمكننا باتباع منطقها أن نرى الرقابة عاملا مساهما بشكل إيجابي محمود في تطور الفن والإبداع، والذكورية سببا في المتعة الجنسية). والحجج السخيفة الشهيرة تعود بنا دائما إلى الطبيعة وكأننا من ناحية لم نركب الطبيعة وكأن الطبيعة من ناحية أخرى خير كلها.

إننا ندافع في كل الأحوال عن الحق في العمل، وليس الحق في عدم العمل (أو بعبارة أخرى في التأمل، في التحرر، في التحكم، في التبطُّل، في الإبداع، في المرح، في اللعب، في العمل فقط بقدر المطلوب)، أو في وضع شروطه ومواصفاته موضع المساءلة والمراجعة، في أماكن عمل لا نصممها وبشروط لا نضعها ولأغراض لا نعرفها وبطرق تقضي على إنسانيتنا وتحرمنا من التجريب والإبداع والانطلاق والتحقق، بل وحتى إعمال العقل، وتزيدنا استلابا على استلاب. لقد كان تقسيم العمل ضرورة للإنسانية بمؤامرة من الطبيعة منذ أيام الجمع والالتقاط، وبمؤامرة من الاقتصاد مع الانتقال إلى الزراعة، ثم أصبح ضرورة للرأسمالية بمؤامرة من العلم مع مصانع الدبابيس، ثم لعنة على الجميع بمؤامرة من النظام الذي يسيرنا جميعا بشكل يبدو خارجا على إرادتنا بل وعلى إرادة حكامنا أنفسهم، وهذا وضع غريب لكنه متسق مع ذلك للإنسان الذي كان تجاوزه للطبيعة هو ما جعله بالأمس إنسانا، واليوم نوعا مهددا بالاندثار. في كسر هذه الحلقة الجهنمية، وأي حلقة جهنمية، يكمن معنى الثورة.

باختصار، أنقذوا عامل التليفون. أو ساعدوني على الوصول إلى ربع كيلو الجمبري بطريقة مختلفة، في سلام.

Advertisements

About MF Kalfat

Editor of Terr.so محرر
هذا المنشور نشر في مقالات وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s