منير ١٩٨٩


هذا الڤيديو من حفلته في كلية الفنون التطبيقية في ١٩٨٩ يكاد يكون المدخل المثالي لفيلم وثائقي عن حياة وزمان ومسيرة محمد منير: لقطات ذات طابع أرشيفي شخصي من شريط ڤيديو منزلي رديء مرفوع على يوتيوب منذ ١٠ سنوات، في ذات المكان الذي تخرج منه قبلها بدستة من السنوات، تحديدا في قسم الڤيديو، وبعد وقت قصير من إصدار ألبومه السابع، الانتقالي، شيكولاتة، يتحدث في الثواني الأولى منه عن الكلية والحرية ومصر والحرب، معلقا على رفض بعض الطلاب (الإسلاميين كما نفهم ضمنا) إقامة الحفلة:

أفكر زملاءنا اللي رفضوا تواجدنا ف الكلية…من حقهم…ومن حقهم يرفضوا دا ويعبروا دا ف صورة…بأي صورة ترضيهم…بس بافكرهم بجيلي أنا واللي موجود منه كتير يعني على ما أتذكر الدكتور محمد الصاوي، الدكتور حسين فهمي، والدكتور عادل الحفناوي، كلهم يتذكروا إن احنا سنة 70 و71 و72 عملنا مظاهرات زيهم. بس الفرق بيننا وبينهم إن المظاهرات دي كانت بتطالب مصر إنها تحارب.

لكن دلالات الڤيديو في سياق محمد منير تعود بالأساس إلى دلالات أكبر للحظة: فمحمد منير في بدء مغيبه هو شخصيا، تماما في اللحظة التي يخطو فيها بعيدا عن مشروعه الطويل الذي خرج معه  إلى النور مع فرقتي هاني شنودة ويحيى خليل، وفي معية مكتشفه وراعيه وملحنه الأول أحمد منيب الذي يعيش أيامه الأخيرة، وبرفقة شعراء عامية مكرسين وشباب وجدوا فيه أخيرا صوتا لهم، متحررا منهم وضائعا في آن معا، وهؤلاء جميعا وبلادهم ومن شابههم في العالم في ذروة لحظة الانكسار والانهزام الكبرى في تاريخ اليسار العربي والعالمي وكذلك العالم الثالث وقوى التحرر:

في البدء كانت الهزيمة. … من نصف السبعينيات الثاني، كانت الحركات الاحتجاجية المولودة في أواخر الخمسينيات… في حالة اضمحلال. وأسباب ذلك شتى… وقد وجدت عملية الاضمحلال هذه التعبير الأوضح عنها…في سقوط جدار برلين. من الواضح أن شيءا كان قد انتهى في حوالي عام ١٩٨٩. المشكلة هي أن نعرف ماهية هذا الشيء ونحدد متى بدأ الشيء الذي انتهى.

(Razmig Keucheyan, Hémisphère gauche. Une cartographie des nouvelles pensées critiques, La Découverte, 2010.)

وفقا لهذه النظرة فإن محمد منير يعتلي المسرح ويلقي كلمته الغاضبة الحزينة الوجيزة البليغة في نهاية دورة كبرى إلى هذا الحد أو ذاك من التاريخ الحديث، بدأت إما: ١- قبل ذلك بثلاثة عقود مع صعود اليسار الجديد على خلفية بدأت تحديدا في موقعين جغرافيين أحدهما مصر (السويس، ١٩٥٦)؛ أو ٢- قبل ٧ عقود مع الثورة البلشڤية، والتي هزت العالم “مبكرا جدا” بما فيه مصر وبقية المستعمرات المتنازع عليها مجددا بنهاية الحرب العظمى، وهذه العقود السبعة تساوي القرن العشرين “القصير” كله بحسابات هوبزباوم؛ أو ٣- قبل قرنين بالتمام والكمال، وبحسابات هوبزباوم كذلك، أي منذ اندلاع الثورة الفرنسية، ١٧٨٩، افتتاح القرن التاسع عشر “الطويل”، والتي سرعان ما ستأتي بناپليون وحملته على مصر والولع به بما في ذلك افتتان مؤسس مصر الحديثة، والمصريين أنفسهم، به.

أقصر الدورات المحتملة إذن تعود إلى ما بعد مولد محمد منير بعامين، وتصل إلى ذروتها في ١٩٦٨، بعد عام من الهزيمة المنكرة لمشروع تحرر الضباط الأحرار، والتي سيطالب الطالب محمد منير وزملاؤه بإنهائها عسكريا.

(يُتبع)

Advertisements

طفو

كالجثث الغارقة يطفو أبطال أحلامك الأخيرة على ضفاف نهر يقظتك. أما في الأحلام نفسها فقد طفوا أيضا ولكن في الجهة الأخرى، كأجساد منفلتة من الجاذبية في الفضاء.

فَنٌّ+فَنّْ

فَنٌّ

فنُّ الخَسارة ليس صعبا أن تحوز نواصيَه
كم من الأشياء تُضمر في كوامنها الخسارة
لا ضِيرَ في أن تخسرَ تِلْكُمُ الأشياءَ ولا ضَرارة

في كل يوم جَدَّ شيءٌ تخسرُه فاخسرْه واقبل
اضطرابَ الفقد في مفتاح بابٍ تلو آخر، ساعةً أهدرتها إهدارا
فن الخسارة ليس صعبا أن تحوز نواصيه

ثم مارس فقدَ ما هو أكثر، وزِدْ وعجِّل،
خسرانَ أمكنةٍ وأسماءٍ ومقصد رحلة فُتَّ انتظارا
لا ضير من هذا، وما من كارثة، ورُبَّ ضارة

إني فقدت ساعة أمي. بل وآخرَ منزلٍ لي من ثلاثة،
قل الذي قبل الأخير، منازلي التي أحببتُ دارًا دارا
فن الخسارة ليس صعبا أن تحوز نواصيه

إني فقدت مدينتين، مدينتين جميلتين. وفقدت أكبر منهما تارة
ممالكا ملكي، نهرين لي كانا، وقارة.
وإني أفتقدها، إنما لا بأس، لم تكُ كارثة

وفَقدُك أنت أيضا (يا ذا اللفتة الحلوة، يا ذا الضحكة السارة)
فيم الكذب؟ لا، ليس صعبا جدا امتلاكُ ناصية الخسارة
أمرا جليا كان حتى لو بدا في وقته، وحتى لو بدا
للآن يبدو لا يزال (هلّا كتبناها!) ضراء، نكبة، كارثة

+++

فَنّْ

مش صعب أبدا تمتلك فن الخُسارة
حاجات كتير جواها عايزة تتخسر وتضيع
فمش خسارة، رايحة رايحة، أبدا مش خسارة

كل يوم فيه حاجة تخسرها فاخسرها واقبل
كركبة مفاتيح البيبان الضايعة، والوقت المعطَّل
مش صعب أبدا تمتلك فن الخسارة

وارجع اتدرب على الخسران، واخسر كمان وكمان
اخسر أماكن واخسر أسامي ووجهة السفر اللي كان
مش كارثة أبدا كل دا، ومش مأساة

دا انا ضيعت ساعة أمي. وآدي بيتي التالت
آخر بيوت حبيتها، أو قبل الأخير، راحت
مش صعب أبدا تمتلك فن الخسارة

وخسرت من المدن جوز، جوز مدن حلوين. وأكبر شوية
قارة، وممالك، ونهرين كانوا ليَّ
واحشينني لكن، معلش مش مأساة

دا حتى خسارتك انت (يا ابو صوت بيضحك، ولفتة باحبها)
على إيه هنكدب؟ كل شيء واضح وباين، آه
فن الخسارة مش بعيد تمتلكه، لا
مع إنها ممكن تبان (قولِي!) ممكن تبان مأساة

___

14993459_361294824220687_6030259482984125533_n

[طلبت مني زينب مجدي ترجمة عربية لقصيدة إليزابث بيشوپ الإنجليزية لتضمنها عرضها «ناس عادية جدا» (الجيزويت، القاهرة، نوڤمبر ٢٠١٦)، والذي لم أشاهده لأني كنت خارج البلاد ولكني استمتعت بقراءة نص زينب والقصيدة. وأعتقد أنها اختارت النسخة العامية. لديّ أسئلة كثيرة حول ماهية الشعر وحول ترجمته. ولكني أنشر الترجمتين بناء على طلب صديقة.]

رتشارد لينكليتر بتاعكو

ورشة كراسات السيماتيك

بسبب وثائقي هانا پولاك الصفعة «حلم يولا» (أو «في انتظار شيء أفضل») باحاول اكتشف عالم هيلينا ترستيكوڤا ( بادعوكم نشوف فيلمها «رينيه» قريب) اللي عملت اللي عملته پولاك بس أربع مرات، بيتطابقوا مع بعض زمنيا في سنين معينة؛ تصوير أشخاص من عوالم الحضيض عبر سنوات طويلة–١٤ في حالة يولا، من طفولتها لريعان شبابها. شيء بطولي ملحمي رهيب. ومن شوية بالصدفة خلصت وثائقي مقالي جميل لإريك بودلير، بيسردوا فيه اتنين هم بنت فوساكو شيغينوبو قيادية الجيش الأحمر الياپاني وماساو أداتشي صانع الأفلام السفلية الجذري في الستينات، عن حياتهم بين لبنان والياپان. أداتشي بيفتكر مادة فيلمية حوالي ٢٠٠ ساعة فقدها ف بيروت في ١٩٨٢، ومش فاكر منها بتأثر وحسرة غير طفل صوره وهو بيكبر لحد ما بقى شاب ميليشياوي عبر السبعينات وبداية التمانينات. وييجي واحد عامل فيلم أمريكاني عائلي زي لينكليتر يحصد الإعجاب والجوايز عشان صور فيلم في ١٢ سنة مدة الأحداث الفعلية من ناحية كأن دا اختراعه ومن ناحية كأنه…

View original post 8 more words

ما وراء الرعب

ورشة كراسات السيماتيك

خرجت من «تصبحين على خير يا ماما» والناس عموما بتضحك من الصدمة أو الغرابة، أو قرفانة سواء من الملل أو التزويد أو الغثيان النفسي. قبل ما اشوف المصري كاتب عن جماليات أفلام الرعب أو ليلى عن المشاكل الخاصة بالأم، شفت برة القاعة آيرِس، وهي كاتبة ومنتجة أسپانية-ألمانية. كانت كاشّة برضو بس بدأت تتكلم عن الشخصية الشمال أوروپية المغلقة على عالمها السري المظلم وتقل الثقافة الدينية الكاثوليكية المتزمتة أخلاقيا والمنضبطة سلوكيا. واتكلمِت عن هانِكه وصلته بالفيلم زي المصري برضو بس من الناحية دي كمان. فكرت إن النمسا هي المكان اللي طلع منه هتلر، أكبر فيلم رعب حديث. وفكرت ف المستوى التحتي دا للأفلام، خصوصا الرعب والپوليسي والخيالي. مؤخرا كان فيه تحليلات من النوع دا لسلاسل «هاري پوتر» و«الفتاة ذات التنين الوشم»، وجدل في الغارديان حوالين المغزى الأيديولوچي لقصص الرعب مقابل القصص الپوليسية. فكّرت آيرس بـ «٨.٥» ومشهد عقاب غيدو الطفل في الدير، وازاي كان كوميدي وجنوبي بس فضل قاسي ومرعب وبرضو…

View original post 72 more words

سينيفوبيا

ورشة كراسات السيماتيك

رغم إن أروى صالح بتفكر في السينما في رسالة لصديق في آخر كتابها كإجابة مرجحة لسؤال إيه اللي ممكن تعمله (جزئيا لأنها عمل جماعي)، بعد ما كانت ذكرت السينما مبكرا كمثال على الاهتمامات اللي كان ممكن تبقى تهمة جاهزة بالبورجوازية عند يسار الستينات، إلا أنها كمان بتختم كتابها دا بتشكيك واضح في قيمة وجدوى الحياة في عالم الكتب. ودا خلاني أفكر في الحياة في عالم السينما. مع إني عارف المحامل المختلفة للي قاله لنا خالد مؤخرا عن السينما كملجأ لينا في الأوقات دي – وانا شخصيا باقول كلام شبه دا عن النشاط الثقافي والفكري والفني المحموم في القاهرة بعد ما شوارعها اتاخدت مننا – إلا إني قلقت. أروى صالح بتقول كمان، في ملاحظة ختامية عن استمرار إيمانها بصحة الماركسية فيما يخص الفن، إن الفن اللي مالوش علاقة بالحياة “مزاج طبقة شبعانة موت”. ولأن أي فن مهما عمل هيبقى له علاقة ما بالحياة فالفكرة دي محتاجة تتفهم بشكل أعقد مما يبدو…

View original post 53 more words

خلاصة مبكرة لمراجعة بعنوان “عن الأمومة والغياب”

ورشة كراسات السيماتيك

أم غايب فيلم جميل على نحو معلِّل لأنه مرتبك بنائيا وأسلوبيا، بروحين تتنازعانه، ويراوح مكانه في منطقة آمنة يحاول أن يضمن فيها ما ضمنه بالفعل فنا ومضمونا. كان بإمكانه مَشكلة الأمر والمضي أبعد، نحو استكشاف يحسم الوجود الحذر والخجل والمتأدب والمتلعثم لمخرجته. هذه المنطقة الآمنة على أي حال تتجاوز الإنتاج الوثائقي السائد في البلد، سواء من الروح الأولى المهيمنة (التليفزيونية إن جاز التعبير) أو من الثانية (المبتدِعة) التي لعلها تنطلق بلا استحياء على يد جيل جديد. كان يمكن لهذه الحيرة نفسها أن تُضم إلى عالم الفيلم، نحو ارتباك سيظل ولكن أجمل وأكثر حيوية وتأملا وتفكيرا وانفتاحا، بدلا من الطمع في فيلم كامل مقفول.و لو أن حمل حنان قد اكتمل فأين كان الفيلم سيذهب إلى أكثر من مجرد قصة نجاح بنهاية سعيدة؟ وطالما أنه لم يكتمل لماذا سكت إلى الأبد صوت حنان واختفى وجهها وواجهنا صمت القبور؟ ألم يكن هذا تأكيدا على النظرة التي تقتل حنان؟

View original post