“العامية” و”الفصحى” والارتباك

يقال إن رجلا في مصر لديه مخطوطتان هما ترجمتان كاملتان للكتاب المقدس والقرآن إلى “العامية” المصرية. مات المترجم وهو كما قيل أب فرنسي أنجز عمله هذا في عقد ١٩٢٠ دون أن ينشره، ولم يُنشر حتى بعد وفاته مخافة رد فعل المتدينين والسلطات.

كون المترجم قد فعل ذلك، على الأقل في حالة الكتاب المقدس، من منطلق إيماني، فهذا خارج الموضوع. ففي نهاية المطاف، دافع واحد من أعلام دراسات الترجمة عن ترجمة العهد الجديد ترجمة تفسر اختفاء المخطوطتين في مصر، إذ ترد فيها على سبيل المثال عبارة تعني حرفيا “مصافحة حارة” يقابلها في ’الأصل’ (نسخة الملك جيمس مثلا): “قبلة مقدسة” (“سَلِّمُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مُقَدَّسَةٍ” – رومية ١٦:١٦).

بعض مترجمي القرآن من المؤمنين به – تماما كما كان يوجين نيدا مؤمنا بما دافع عنه لأغراض دعوية/إرسالية أيضا – يصطلحون على هذه الترجمات وعلى كل مشروع ترجمة محتمل بـ “ترجمة معاني القرآن” (عنوان أحد أهم كتب نيدا هو Translation of Meaning). وتعني العبارة أنه ما من ترجمة للقرآن. الترجمة الوحيدة الممكنة نظريا هي ترجمة رسمية نزلت من السماء وهو ما لم يحدث كما نعلم إذ خص الله بالتنزيل عباده الناطقين بالعربية. القول بأن نسخة في لغة أخرى هي ترجمة للقرآن لا يليق. قد نسحب المفهوم على كل ترجمة لأي نص باعتبارها في النهاية مقاربة و”تقريبا” كما تقول النظرية لكن هذا الفريق من المترجمين يوضح تماما ما يريد عندما يضع شروطا حتى لترجمة “معاني القرآن” تتضمن “رقي العبارة” في اللغة المستهدفة. “العامية” المصرية – وكل “عامية”، لكن لل”عاميات” العربية بالطبع خصوصيتها هنا لأسباب جلية – لا هي لغة ولا هي “راقية”، فلا مجال فيها لـ”رقي” العبارة.

نتائج هذا الحظر واسعة المدى. يذكر منظر الترجمة الصيني جن دي (المتحفظ على مقاربة نيدا الوظيفية/الدينية آنفة الذكر) كيف أن جدته الأمية كانت تردد ما تحفظه عن ظهر قلب من الصلوات البوذية دون أن تفهمه وبالطبع دون أن تنطقه نطقا سليما أو حتى واضحا (هل لكلمة “تمتمة” صلة بكلمة “تميمة”؟). لعلك لاحظت أمرا مشابها إذا جلست يوما مثلي في كنيسة (إنجيلية في حالتي) أثناء عقد زواج وسمعت النساء في الصف خلفك يرددن بعض الآيات وراء الكاهن أو يستبقنه. أو – بالطبع – إذا استعدت علاقة كل أجيال عائلتك بالقرآن واستثنيت قدرة المتعلمين منهم على اللجوء إلى المعاجم والتفاسير. (كيف تصدى القرآنيون لهذه المسألة؟)

زد على ذلك أن يكون أهلك نوبيين مثلا، وهكذا فإن جدتك نوبية وأمية تتحدث عربية محدودة ومكسرة وتحفظ سورا قليلة عن ظهر قلب. لا توجد ترجمة للقرآن إلى “العامية” المصرية أو أي “عامية” عربية لأنها ليست لغة وليست “راقية”. لا توجد ترجمة للقرآن إلى النوبية (الفاديكية في هذه الحالة) لأنها لغة لم تعد تُكتب، ولا حاجة إلى ذلك بعد تعريب النوبيين أنفسهم عن بكرة أبيهم.

هذا الموقف من “العامية” ليس حكرا على فريق من المسلمين أو مسيحيي الشرق أو متعلمي العربية (“الفصحى”، أو للدقة، الكلاسيكية، أو العربية القياسية الحديثة). في ١٩٠١ اندلعت في اليونان مظاهرات سميت مظاهرات الإنجيل، احتجاجا على نشر صحيفة ترجمة مقتطفات من العهد الجديد إلى الديموطيقية، أي “العامية” اليونانية. امتدت خلفية هذا الصراع إلى القرن التاسع عشر، فبالتوازي مع أواخر عملية صعود اللغات القومية (الوطنية) وحلولها محل اللاتينية في الكتابة والقراءة كأحد مظاهر عملية صعود الدول القومية ونشأة الهويات الجديدة الوطنية (“الجماعات المتخيلة“)، صعد الصراع بين التقليديين/المحافظين والمجددين. (أحد مفقودات ترجمة شعر كفافس إلى العربية هو هذه الفسيفساء من الديموطيقية والكلاسيكية التي يشير إليها أودن في مقدمة لترجمة إنجليزية، إذ يبدو أنها فقدت أيضا هناك.)

Akropolis_front_page_9_Sept_1901_(OS)Evangelika1901

وفي حالة “العالم العربي” مثلا اشتدت مساعي من يحاولون التعبير عن العالم الحديث بلغة كانت قد حُرمت طويلا من مواكبة العالم والتاريخ فكرا وحياة وإنتاجا (خلال عصور “انحطاطها” التركية والمملوكية كما قيل).

كلما قرأنا تاريخ عجايب الآثار أو ترجمة فان دايك واليازجي للكتاب المقدس مثلا سنلمس هذا “الارتباك” – الذي ستتجاوزه اللغة فيما يبدو بعد وقت غير طويل بفضل المحاولات (والصحفية منها على رأسها) – عند نقطة كان المنتجون الثقافيون يحاولون فيها شيئا ليس أقل من إعادة اختراع اللغة العربية ونحتها بالكامل، أي تطويعها.

كلما قرأنا شوقي والبارودي يحاولان التعبير عن هذا الواقع السياسي الجديد بلغة ومفردات وصور القصائد العائدة إلى النصف الأول من الألفية الأولى، سنلمس هذا المظهر الآخر للارتباك نفسه.

بعد انتهاء الحرب (العالمية الثانية) وتجاوز الاستعمار كلفته المحتملة في كشوف حسابات المكسب والخسارة الختامية، بدأت عملية تفكيك المستعمرات التدريجية، والمعروفة باسم “الاستقلال”، ومن ناحية أخرى، إعادة ترتيب الأوضاع التي أدت إلى الحرب وأدت الحرب إلى إعادة توزيع تعقيدها وتفاقمها، وتأبيدها وإن بشكل جديد. ومن ذلك إبقاء “الحلفاء” على الفاشيين في مواضع السلطة في أكثر من مكان، ورسمهم “مناطق النفوذ” الجديدة. وهكذا فبعد فاصل من الحرب الأهلية في اليونان مثلا، صعد اليمين إلى الحكم وبقي هناك مع قرينه الإسباني حتى منتصف عقد ١٩٧٠، وهو الوقت نفسه الذي سيشهد، ضمن وضع صياغات الحكم والهوية الجديدة “الديموقراطية”، اعتماد الديموطيقية لغة رسمية لليونان.

وفي هذه الأثناء في مصر، صعد نظام شكّل بالتدريج أيديولوجيا حكم شعبوية ومؤكدة على الطابع الشعبي في الثقافة، لأسباب منها احتياجات الدعاية السياسية إزاء شعب أغلبه من الأميين، وفي الوقت نفسه تفتح العنان أخيرا ليس لبرامج محو الأمية الشرسة على غرار الثورة الكوبية المعاصرة لها وإنما مجانية التعليم العام والعالي فيما بدا أنه تحقيق أوسع لحلم طه حسين بالماء والهواء، وهو الذي كان قد حذر أيضا من ازدواجية أو تعددية “الثقافة”، أي أنظمة التعليم.

لكن سمة أخرى رئيسية في هذه الأيديولوجيا بالطبع كانت هي القومية العربية. وتجلى الارتباك بوجه جديد لا مجال لحصر أمثلته: لا يبدأ بخطب عبد الناصر الذي لا يبدو أنه امتلك ناصية “الفصحى” ولا “العامية”، كما لم يكن ملما بلغة أجنبية إلماما يذكر، ولم يقرأ في حياته سوى القليل من الكتب نعرف منها عودة الروح للحكيم وكتابات لميشيل عفلق والأهم منهما الأمير لمكيافيللي والذي يبدو أن كل أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا قد طالعوه باهتمام قبل وصولهم إلى الحكم. (بعد موته سيعلن الحكيم عودة الوعي هذه المرة.)

ولا ينتهي بأن كبار كتاب الأغاني و”الشعراء” (كما صاروا يعرَفون الآن عوضا عن “الزجالين” كما عُرف أسلافهم) المعبرين عن الحقبة وتطلعاتها ومؤلفي بعض أهم نصوصها الدعائية الغنائية، كانوا غير معترف بهم من كبار زملائهم شعراء “الفصحى”، والذين خاضوا بالموازاة معركة حول شعرية العمودي والحر/التفعيلة، لانتزاع الاعتراف بهم من “التقليديين” وكذلك العروبيين بما في ذلك “التقدميون” منهم (مجلة الآداب اللبنانية مثلا)، وستلي ذلك معركة نزع “اعتراف” شعراء الحر والتفعيلة ب”قصيدة النثر”.

لم يعترف صلاح عبد الصبور إلا بعد ١٩٧٣ بشعرية قصيدة “عامية”، هي “الأرض” للأبنودي (في رثاء نيرودا). أما مجلة الهلال العريقة فلم تخرج عن تقاليدها المستبعِدة لل”عامية” إلا في السنة نفسها التي أفردت فيها عددا خاصا تاريخيا لستينية محفوظ مخترع الحوارات “الفُصح-عامية” (والتي كان وزير الثقافة آنذاك، السباعي، قد حاول محاكاتها في السقا مات ثم أصر الأبطال كما قال على الكلام بالعامية الصرفة رغما عنه)، إذ نشرت الهلال قصيدة “دم موالي” لفؤاد حداد، ضمن المجهود الحربي للشعراء. في حديث إذاعي، دافع حداد نفسه (“والد الشعراء”) عن هذا الشعر بالقول إنه ليس “عامية”.

هل كان يقصد بين سطور شرحه أن كل “عامية” هي “فصحى” اليوم؟ أو أن لكل لغة مستوياتها المعاصرة وبالتالي فما يكتبه ويتحدثه حداد وأولاده هو “فصحى” “العامية”، إن جاز التعبير؟ “فصحى” “العامية” التي ليست “عامية”؟ وكيف تتساوى إذن عربيته هذه مع عربية بقية المواطنين؟ أسئلة وجودية-لغوية عدة يفتحها دفاع حداد المساواتي في الظاهر هذا، وسأعود إليها فيما بعد، لكن لنكتفي هنا بالإشارة إلى الحيلة اللغوية الكامنة في منطقه الثقافي عند التدليل بقول المصريين “كلمني عربي” أو “أنا باتكلم عربي”، فهم المصريون أنفسهم الذين يحتج بعضهم على كلام بعض المتعلمين قائلين “بيتكلم بالنحَوي”، أي “كلمني عربي مش نحَوي”!

لا يبدأ الارتباك ولا ينتهي، مرورا بشجارٍ دامٍ حول روايتين كانتا قد صدرتا أخيرا بعد أن أَجَّل نشر كليهما لأجل غير مسمى سنواتٍ طوال (سابقة على ١٩٥٢): ضياع المخطوطة الوحيدة؛ التوقف عن الكتابة (في حالة إحداهما على الأقل، وهي التي لم تكتمل أبدا بالمعنى المضبوط، بينما ضاعت الصفحات الأولى من الأخرى للأبد)؛ و… الخوف. فالآن وبعد أن كان المؤلفان قد غادرا سنَّي الشباب وحماسها، للمفارقة، فقد دفعا بروايتيهما للنشر لأسباب شتى منها اعتقادهما أن المعركة وإن كانت لا تزال قائمة فقد حان وقت خوضها، إذ صارت الشروط مواتية أكثر والأنصار كُثرًا والنية واضحة السلامة. هاتان هما قنطرة الذي كفر لمشرفة ومذكرات طالب بعثة لعوض.

كان الأخير في شبابه يجرب بعنف، في الشعر مثلا عندما كتب بلوتولاند. كما رافق زملاءه المجربين بعنف ولكن المعفيين من المرور بإشكالات العربية في كل مستوياتها، أعني جماعة الفن والحرية، حيث كان أحدهم مثلا، ألبير قصيري، يترجم من المنبع في رأسه من “العامية” إلى الفرنسية، وهو ما ستفعله بعده بعشرات السنين أهداف سويف، ولكن إلى الإنجليزية. انظر/ي مثلا كيف تُرجم عنوان إحدى رواياته – وفي اقتباس سينمائي كذلك – إلى شحاذون ونبلاء، بينما يترجمه بشير السباعي بحساسية، وحاسة سمع، مختلفة إلى فقرا ومتعنطزين.

وكان هذا الطابع التجريبي يكاد يكون معمليا إذا كنتُ قد أحسنت قراءة مقدمة عوض لروايته المفقودة زمنا، فهو في حالة “الرواية” أراد إخضاع “العامية” المصرية لاختبار التطويع نفسه، راغبا في رؤية المدى الذي يمكن توسعتها واختراعها ونحتها إليه، للتعبير، في هذه الحالة، عن تجربة ومشاعر وأفكار طالب دكتوراه مصري للأدب الإنجليزي من المنيا إلى كامبردج في زمن الاستعمار. لكن التفسير الأساسي لفعلته هذه في منتصف عقد ١٩٦٠ (زمن اشتداد الحرب الطبقية على كل الأصعدة بما في ذلك ما بين اليسار واليمين الثقافي، بعد تصدع بنية الاحتواء والاتحاد الناصرية الهشة) هو – في أشد النسخ “يمينية” ربما – أنه “صليبي” معاد للإسلام والتراث، وربما – بعد ذلك – العروبة نفسها، وبالتالي اللغة العربية (أي “الفصحى” التي كان عوض قد كتب بها حصرا بقية أعماله، الفكرية، بل وروايته الأخرى الوحيدة، العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح).

أعيد نشر الكتابين بعد ذلك على مدار العقود في طبعات قليلة (في سوق قراءة محدود جدا عموما). فصدر الأول مثلا في التسعينيات ضمن كتاب أدب ونقد الصادر عن جريدة الأهالي لسان حزب التجمع (ربما، إذا رأيناها إلى جانب بقية المختارات، بسبب تعبيرها الطبقي لا مجرد ندرتها، على الأخص مع خلفية ثورة ١٩١٩–ولحسن الحظ مع طائفة من التعليقات النقدية في الملحق). وقد صدرت طبعة جديدة مؤخرا، ربما لحلول مئوية الثورة، تضم أعمالا أخرى لمشرفة مع دراسة لشعبان يوسف (دار بتانة). قنطرة إذن هي التي حظيت فيما يبدو باهتمام نقدي لا يقارن–ربما لأنها، صراحة، رواية، أي تخييلية بالأساس. أو، بكلمات أخرى، أن ما انتزع “الاعتراف” بأدبيتها لم يكن مستواها اللغوي وإنما نوعها. من ضمن إعادة طبع مختارات نقدية لخليل كلفت من حقبة المساء/جاليري ٦٨ في شكل كتاب هناك أيضا مراجعة للرواية، بطعم ماركسية أنيس والعالم الواقعية الاشتراكية، أكثر منها ماركسية غالي شكري الأرحب والأعقد والأشد تطورا فيما بين الحقبتين.

كما أصدرت روايات الهلال إحدى طبعات الثاني وكذلك فعلت هيئة الكتاب، وهما طبعتان مليئتان بالأخطاء المطبعية نفسها. (النسخة الأصلية في الكتاب الذهبي، من روز اليوسف، أحد معاقل الجناح اليساري في الصراع آنذاك.) وعندما يثور الجدل حول مذكرات عوض المنشورة أو النافذة أو الممنوعة من النشر أسريا، قلما تُذكر هذه المذكرات المبكرة، ذات النفس الأدبي القوي شبه الروائي.

لكن عقودا كاملة مرت عبر ثلاثة أو أربعة أنظمة حكم لكي تصدر رواية جديدة ب”العامية” (لبن العصفور، يوسف القعيد، ١٩٩٤). نحن لا نتحدث عن نشر أعمال صحفية الطابع – قبل نشرها ككتب – من قبيل السيد ومراته في باريس أو مذكرات الفاجومي، وهي نادرة أيضا على كل حال.

ولا يبدأ الارتباك ولا ينتهي، مرورا بـ”جامعات” عبد الناصر، والتي ما إن طهرها من “أعداء الثورة” (ومن بينهم عوض الذي كان قد عاد بحماس إلى جامعته المصرية كما رأينا في مذكرات طالب، ومعه أنيس والعالم وغيرهم)، حتى افتتح عصرها الملاييني (“جامعة الأعداد الغفيرة”) مع وعود التكليف والتوظيف. لم تكن المشكلة الوحيدة أن الطلبة سرعان ما تخرجوا ليكتشفوا وهم الحياة الكريمة الموعودة والدور الاجتماعي المحترم والتاريخي (كما فعل على مسافة منهم ٢٣ مليونا من خريجي جامعات الثورة الثقافية الصينية) وإنما، وكما قال مراقب أجنبي بارز درس الحركات الإسلامية في السبعينيات والثمانينيات، إذ وجد نفسه مجبرا في مطلع الحديث عن الإسلاميين في “الجامعات” على هذا التوضيح الأكاديمي للقارئ الغربي:

Throughout this discussion, the term ‘student’ ought not to conjure up images of the campuses of the Sorbonne, Sussex, or Berkeley. Although Egyptian universities resemble their counterparts in the developed countries as far as the names of the faculties and the ages of the students are concerned, comparisons must not be pressed much beyond that point. Since the Nasser era, Egyptian universities have been caricatures more than copies of Western, or even Soviet, models.

More than one Egyptian educationist has admitted that it is more than a little misleading to call the Egyptian institutions of higher learning ‘universities’: the appellation ‘establishments of long-term instruction’ would be a more accurate designation for institutions that provide more than half a million students with courses of study rigidly compartmentalized into narrow disciplines and offering degrees governed by an examination system that yields little to the Koranic schools in its exclusive reliance on the routine memorization of manuals. Once the ex-student has acquired a diploma — after drawing hefty sums from his family to pay for the individual tutoring that is as necessary for success as it is illegal — he will have earned the right to prefix the sonorous title duktur (‘doctor’) to his name, and will then work each morning as an underpaid state employee, and spend the afternoon moonlighting as an amateur plumber, a taxi driver who knows neither the streets nor the routes, or some sort of jobber, until a friend of the family or local contact finally gets him a seat on a plane or boat headed for one of the oil-producing Arab countries.

Eloquent statistics testify to the roots of this catastrophic situation, which gives the universities such a perverse role in the country’s development […]

Gilles Kepel, Muslim Extremism in Egypt: The Prophet and Pharaoh, 1984

فهل يأتي كل هذا الارتباك (جزئيا على الأقل) من، و/أو يشمل، وجود ازدواج لغوي في مصر؟

الإعلانات

أسئلة عامل يقرأ

من الذي بنى طيبة ذات البوابات السبع؟

تورِد الكتب أسماء الملوك.

فهل جر الملوك جلاميد الصخر؟

وبابل، التي دُمِّرت مرات

من أقامها مرات؟

في أي بيوت بليما المتلألئة بالذهب عاش بناؤوها؟

وإلى أين، ليلةَ الانتهاء من سور الصين العظيم، ذهب الحجّارون؟

روما العظيمة تزخر بأقواس النصر.

فمن نصبها؟

على من انتصر القياصرة؟

أولم يكن لسكان بيزنطة، التي تغنّت بها المدائح، إلا القصور؟

حتى في أطلانطس التي في الحكايات، وليلة أن طواها المحيط،

صرخ الغرقى ينادون على عبيدهم.

الإسكندر الشاب فتح الهند.

أهو وحده؟

القيصر هزم الغاليين.

ألم يرافقه حتى طباخ؟

بكى فيليب ملك إسبانيا وأسطوله الحربي يغرق.

أكان الوحيد الذي بكى؟

انتصر فريدريك الثاني في حرب السنوات السبع.

من أيضا انتصر؟

 

نصر في كل صفحة.

فمن طهى ولائم المنتصرين؟

رجل عظيم كل عشر سنوات.

فمن دفع الفاتورة؟

 

شتى الروايات.

وشتى الأسئلة.


ترجمتي عن ترجمة مايكل هامبرغر Michael Hamburger الإنجليزية لقصيدة برتولت بريخت 

 

الاعتصام لا شيء. الاعتصام كل شيء.

  •  في المستوى الأول، يهدف كل اعتصام في ميدان عام إلى خلق أزمة والحفاظ عليها. وجود جماهير في الشارع ليل نهار (يُفترض أنه) يقطع استمرارية الحياة العادية، وقد يشمل ذلك حركة المرور كما في ميدان التحرير، أو وقف العمل كما في مصنع أو مصانع. كما أنه يظل عملية استيلاء، سواء أدار المعتصمون المصنع أو سيروا المرور أم لا، ومهما حاولوا إنكار معنى الاستيلاء الذي ينطوي عليه مرادف كلمة اعتصام الذي يتجنبونه: احتلال.
  • بلجوئها إلى مقار قوات “الشعب” المسلحة تسعى حركة إعلان الحرية والتغيير السودانية إلى التأثير على توتر في الجيش تكسب من خلاله (البعض في) سلك الضباط، ضباط الصف، الرتب المتوسطة، ممن لم يُعرف عنهم انتماء للنظام أو تورط في فساده وانتهاكاته. كما تؤكد على سلميتها كسلاح أساسي: الاستجارة من العنف بمحتكر العنف، بل مطالبته بأن يحتكره أكثر.
  • أكثر من المصنع – والجامعة لاحقا، بعد انتشار التعليم العالي في الطبقات المتوسطة فما تحتها، وهو ما تجلى في حقبة ١٩٦٨، المستمرة إلى الآن وفقا للبعض – يُعد الاعتصام بيئة تركيز نضالي، حيث يلتقي أفراد من الطبقات المَسودة، المحكومة، لأوقات طويلة، في نشاط مشترك ومتكرر، فينمون الصلات والروابط، ويعون بظروفهم المشتركة، ومواطن قوتهم وقدراتهم المطلبية والصراعية، ويتبادلون الخبرة، ويتنظمون. (الاستعارة الكلاسيكية هنا هي أغورا، وهي رفاهية كسبها مواطنو أثينا “الأحرار” بفضل العبيد. لابد من بقاء الاعتصام كمسألة حياة أو موت لأنه ليس أغورا، وما من أغورا، نعود إليها.)
  • من هنا تأتي الطبيعة المتناقضة للاعتصام، إذ من ناحية يشتد عوده وتتفجر إمكاناته ما دام وجوده، ومن ناحية فإن حالة الانتظار التي تَسِمُه مع التأكيد على أهمية النفس الطويل، في حرب الأعصاب هذه، تخاطر بإحداث تململ سريع، على الأخص وأن الاعتصام لا يوقف حقا الحياة العادية خارجه، وإليه يعاود أغلب المعتصمين أنفسهم الرجوع من العمل والبيت إذ لا يريد أحد خسارة وظيفته، ولا وضع رهان شخصي كامل ومطلق على نجاح الثورة.
  • بعد يوم الجمل ٢ فبراير ٢٠١١ لم يَعُد اعتصام التحرير أبدا كما كان. انتهت طوباويته الشهيرة قصيرة العمر ولم يعد أحد فوق الشبهات بعد انتشار شائعات تسلل أفراد لإثارة البلبلة وتفرقة الصفوف، وصودر كل حوار إشكالي أو تساؤل حساس أو إبداء أي تشكك علني أو قلق. كان المطلوب فقط هو رفع الروح المعنوية والصمود إلى ما شاء الله. تكرر الأمر في اعتصامات لاحقة، ففي اعتصام مجلس الوزراء نحو نهاية العام وفي اعتصام يوليو من قبله كان من غير المقبول للبعض طرح مسألة فض الاعتصام للنقاش في اجتماع عام، ما كان يعني الإسراع بتخريبه وتقويضه.
  • في مقابل الإسكات من الداخل كان أي منشور يوزَّع في الميدان يقابَل بلهفة واحترام؛ فحالة الانتظار تشمل أي كلمة أو مبادرة قيادة “من الخارج”، كلمة ينبع احترامها أيضا من هالة الكلمة المكتوبة والمطبوعة مع عدم تشخصُن/تجسًّد المخاطِب في مجرد زميل اعتصام مثلا. وتُختصر الديموقراطية والحاجة إلى الحوار في منصة وجمهور. هذا مظهر واحد لملمح بارز آخر في تناقضات الاعتصام كوسيلة لإملاء الإرادة الجماعية وكحشد ينتظر الأوامر والقرارات. (كان “الخارج” الوحيد المشروع كمصدر للقرار في الاعتصامات التالية ليناير-فبراير هو السماء حرفيا: الشهداء، وأهاليهم بالتبعية كمتحدث عنهم.)
  • مِثل اعتصام التحرير يصبح اعتصام الخرطوم موضوعا لصورة ذاتية يعاد إنتاجها على مدار اليوم في مشاهد وأيقونات وقصص بصرية ورمزية، أكثر منها – في الأغلب، وفي حدود ما يمكن الحكم به من بعيد – تجمعات ومواقف مؤقتة ثورية ترهص بالديموقراطية الجذرية والإبداع الجماعي والتعايش الحقيقي، فعلى هذا المستوى هو لا يمثل سوى لمحة خاطفة عن حياة بديلة ممكنة.
  • التناقض الثالث في أي اعتصام اليوم هو حاجته الماسة هذه لـ”تلفزة الثورة” وما تفعله به هذه “التلفزة” الضرورية. لم يعد السؤال هو هل ستتلفز الثورة، وإنما هل يجب أن تتلفز، أو بمزيد من الاعتدال، كيف تتلفز. وكم كان عبقريا من بيتر واتكنز أن يختار لتجربته السينمائية الفذة في مطلع القرن، عن الإعلام والتاريخ ومسرحة وإعادة تجسيد الصراع، أنجح وأشهر وأهم اعتصام/احتلال في التاريخ، والذي يلخص بدرامية عالية كذلك كيف ولماذا قد يفشل اعتصام/احتلال بسبب التناقض الرابع بين حدود السلمية وحدود العنف: كوميونة باريس.

عن رغبة مشوهة في أن تكون جزءا من القصة

السائحات

“هم الإدارة يا ليل
واحنا الحيارى”
—من أغنية لعدوية، “يا ليل يا باشا”، حسن أبو عتمان

مثّل فيسبوك وتويتر فرصة تاريخية لأبناء وبنات الطبقات العليا والوسطى المرتفعة في جنوب العالم ممن اختنقوا بملل طبقتهم—الملل الذي أضفته على العالم طبقتهم في أصلها الشمالي. كان وضعهم الطبقي المميز قد منحهم الرفاهية الكافية للتأمل والتطلع والمقارنة والتوفيق بين تخلف مجتمعهم المحافظ وانفتاح المجتمعات الأقل محافظة. ثم منحتهم الوسائط الجديدة المجال لإشباع فضول التجربة لديهم وتحقيق اللقاءات المستحيلة. كما أراحتهم عوامل مسويّة، أي مساواتية مخادعة، بردم الفجوة دون جلبة، بما سرعان ما سيتبين للعالقين على الناحية الأخرى – إن لم يسقطوا طويلا في الفجوة التي ستنتفتح تحتهم فجأة من جديد – بأنها لم تُردم سوى بخدع لغوية-سينمائية وديكورات.

هذه اللقاءات العابرة تتخذ، في أشدها إيلاما بأثر رجعي، شكل الصداقة أو الحب أو الرفقة السياسية. وإيلامها مركّب: غدر العالم من خلال استقراره؛ كثافة التجربة القصيرة؛ تفاوت القدرة على أخذ القرارات؛ الوعي اللاحق بكل ما كانت الديكورات والخدع قد نجحت في إخفائه.

ولأن أشياء كهذه، مهما يكن، مكلفة، كما أنها تعتمد على عوامل زمنية تقوي إمكانات الفرصة التكنولوجية – كأنْ تقوم ثورة مثلا وتنحسر – فسيهتدي أبناء وبنات الطبقة إلى حل أقدم قليلا وإن بشروطه التكنولوجية الجديدة أيضا:

لقد ألهم البؤس الاجتماعي المرتاحين ماديا بالرغبة الملحة في أخذ الصور، وهو أرق أشكال الافتراس، من أجل توثيق واقع خفي، أي واقع خفي عنهم هم.

محدقا في واقع الآخرين بفضول، بانفصال شعوري، باحترافية، يشتغل المصور الفوتوغرافي المنتشر في كل مكان كما لو كان ذلك النشاط يتجاوز المصالح الطبقية، كما لو كان منظوره عموميا. في الحقيقة، تبدأ الفوتوغرافيا في الاستقلال بنجاح بوصفها امتدادا لعين فلانير [متصعلك] الطبقة الوسطى، الذي رسم بودلير خريطة دقيقة لحساسيته. الفوتوغرافي هو … ذواقة للتماهي العاطفي، … . الفلانير… ينجذب إلى… واقع غير رسمي متوار خلف واجهة الحياة البورجوازية “يمسك به” الفوتوغرافي، كما يمسك محقق التحري مجرما.

—“Melancholy Objects”, On Photography, Susan Sontag

تشبع العلاقات واللقاءات العابرة مع غير أبناء الطبقة احتياجات شتى لدى أبنائها: المغامرة (المستحقة بفضل التميز)؛ تخفيف الضيق بالغربة، على الأخص مجتمِعا بإحساس ما بالذنب يشوشر على الاستحقاق ويعكر صفو التميز وتقويه الثورة القصيرة الكثيفة بدورها؛ الشعور الطيب بتجاوز الإحسان إلى الكرم والقوة والتضامن (شعور بأننا من ناحيتنا حاولنا). وتشترط هذه العلاقة السياحية دون إدراك السائح(ة) بالضرورة درجة من الاحتماء، حيث لا يدرك بوجودها مثلا في شقة الآخر الفقيرة أحد، ولا ترى بصحبته إلا في سياقات ملتبسة أو عامة، وتكتمل مثالية هذا الاختفاء عندما يتخذ اللقاء شكل صور فوتوغرافية لهؤلاء الآخرين الأقل حظا بمسافة موضوع السياحة الإنسانية/السياسية، حتى لو عنى هذا النجاح أمانا أكثر/مخاطرة أقل وكثافة أقل، تُحل بوفرة الصور.

الإرهابي

لم يعد ولع الإرهابيين بالصور وهوسهم بإتقانها أمرا جديدا—ربما لم يكن أبدا جديدا بسبب طبيعة الإرهاب حتى لو سبق عصر الصورة بمعناها الحديث. لكن الأشد أصالة لدى الإرهابي هو هوسه بالقصة. نعرف ذلك الشعور الذي يتنزل علينا رويدا بوراثة العالم، وبالتالي امتلاكه نسبيا، ويعذبنا موضعنا القلق وغير المحدد من هذه القصة التي تتكشف أمامنا ببطء ولكلٍّ حسب مداخله إليها. ونعرف أولئك الذين تثبّت انتباههم على قصة بعينها إلى حد الكلام عن دورهم (الوهمي) فيها: كيف عرف(ت) ريا وسكينة مثلا، كيف أنه هو من اختطف الطفلة الأمريكية التي تمثل قضيتها لغزا غير محلول بعد، قبل أن تسخف الواقعية والاحترافية حماسهم فتدفعهم إلى الإنكار أو تفرج عنهم مع توصية بالعرض على طبيب.

يؤمن الإرهابي في الكثير من الأحوال بأمرين متناقضين ولكن منسجمين: حتمية التاريخ وغائيته، وحتمية دوره كذلك (أي حاجة التاريخ إليه). للحماقات الكبرى سحرها الخاص الفائق على الأخص لدى الغاضبين المغبونين عميقي الشعور بالضعة والهوان. فهذا العاجز عن عمل أشد الأفعال بساطة واتخاذ أكثر القرارات تفاهة بسبب قيود النظام السياسي-الاجتماعي يمكنه بتفجير نفسه، أو، وهو الأشد غواية هنا، تنفيذ مذبحة ثم الهناء بأضواء المسرحية، “تغيير” التاريخ. وكما تؤتي الصورة فعلها بمصاحبة سردية (مهما بلغت قوتها وجودتها: تعليق الصورة كأضعف الإيمان—بنيامين، سونتاغ، ماركر) تكتمل فخامة المذبحة مع مانيفستو يصعد بين عشية وضحاها إلى قمة “الأعمال” الأعلى قراءة في دوائر بعينها، ويكتسب احتراما إجباريا بسبب جدية الأمر وموضعا في السردية التي لم يكن البطل-المؤلف الجديد حتى صباح اليوم سوى قارئها المهووس.

هـ. م. س.

في بورصة جلسات النميمة بأنواعها تعلو قيمة بعض القصص على غيرها وتخضع للتكهنات والمضاربات، أو تتوزع الاهتمامات عليها حسب الذوق والرغبة. وبالرغم من أن ترديد كل إشاعة وقيل وقال هو في أحد وجوهه – على الأخص عندما تصاحب ذلك ثقة وتفاصيل وتأكيدات إضافية لإضفاء المرجعية والمشروعية – دعوى امتلاك للقصة ومزاحمة لوضع قدم فيها، فبعض هذه القصص يغري دونا عن غيره بـ”التدخل”، ربما تحديدا لغموض تفاصيله ونقصه وطابعه التفاعلي، كالمؤلفات التي تهدف إلى إشراك القارئ ودراسة الاحتمالات.

في الحياة الحقيقية لا تصبح هذه احتمالات بقدر ما أنها مساحات للفرجة المستمرة؛ مجسمات للتنفيس عن الغضب والانتصار للتحيزات؛ مواد للعب والتشكيل والتعويض عن الحسرة أمام قصص أخرى مغلقة. يطمح البعض بفضل موهبة أو موقع أو جدية أشد في مساهمة مختلفة نوعيا، مضفيا المشروعية والمرجعية بما هو أكثر من ترديد الكلام: يمكنك بالفعل أن تصبح جزءا من “القصة” بأثر رجعي. أنت هنا مؤلف بمعنى أكثر إيجابية ومادية. كما يمكن للروائي أن يدرس جعل كمال وعايدة يلتقيان في الجزء الثالث، يمكنك أن تدبر بالفعل لقاء بينهما في الحياة الحقيقية، لأول مرة منذ سنوات، لم تشهدهما قبلها، لم تعرفهما، لم تكن موجودا، وتستمتع بمراقبة ما يحدث، نتيجة فعلك الخَلقي، بقوتك، بوجودك في زمان ومكان لم تكن فيهما. لقد امتلكت القصة بالفعل حتى قبل ترديد الكلام: عندما اختزلتها بينك وبين نفسك إلى مشاهدها الأخيرة أو طبعاتها الرائجة. كل ما يتلو ذلك هو صيرورة امتلاك القصة، أو بالأحرى نهبها. أنت أيضا «بطل من ورق».

“الثورة”

Conference-of-the-Birds

وهكذا فإلى الحداثة انتميت أم إلى ما بعدها أم إلى ما قبلها، ستنتهي دائما إلى “دخول” القصة، وإلى امتلاكها كرواية واحدة كبرى أو ممزقة نهب كل ريح، راغبا أو مجبورا، بحماس أو – مثل أغلبنا – بدون (أو بالأحرى، بحماس أقل). ربما لا يمكن تصور التاريخ ومجرد الاتصال الاجتماعي دون هذه العملية—فإلغاء القصة أو تأليفها مجددا بقدر ممعن في الخيال النقدي يتطلب شروطا باهظة التكاليف وخارج الشروط الإنتاجية الحالية. ولكن هل يمكن تصور هذا الأمر الأخير نفسه – إذا أسميناه “الثورة” مثلا – كعملية خالية من امتلاك القصة إلى هذا الحد أو ذاك، على هذا النحو أو غيره؟

هل يمكن لمن تنضم إلى قصة مهمة باستخدام وسم موحد يعلن حضورها ودخولها، #أناـأيضا، أن تمتلك القصة الكبرى أيضا بقدر من الإبداع يتخيل القطع حقا مع الفصول والأجزاء السابقة؟

هل يمكن لمن يقضي عمره في المقاومة والتمسك بقصته وثقافته أمام من يسلبونه إياهما (حتى موته يسلبونه إياه) أن يبذل أيضا الجهود لنزع طابع الملكية الخاصة – بكل ما تعنيه من التفاوت الرهيب في القدرة على الاستحواذ وتكريس القصص – عن كل قصة بما في ذلك قصته؟

الرواية الكبرى سجن موحش فسيح إلى حد يوحي بأنه مفتوح (جماعي/جماعاتي)—«منطق الطير» للعطار؟ الروايات المتعددة متاهة جحيمية باذخة (فردية/فردانية)—“حديقة الطرق المتشعبة” لبورخس؟ القصة الكبرى ليست هنا بعد. ويتطلب اكتمالها بما يكفي توفيقا عميقا ومقنعا لعدد وافر من كل شيء وعكسه، كل قصة وأخرى مغايرة ومضادة. إذا كان للانشطار النووي أثر الدمار الشامل، فهو يعطينا فكرة عن الأثر الشامل الآخر لهذا النوع من اتحاد الذرات.

القطار يدخل المحطة

في قرية بعيدة، بعيدة جدا… سألت الأم طفلها وهي تطعمه، وسألت الخالة طفل أختها وهي تطعمه: أين يدخل القطار؟

يدخل السرير؟

إنه سؤال بلاغي. يبتهج إزاءه الطفل فاغرا فاه الغض للملعقة القطار. يتغذى. يكبر. ولعله يفكر في القطار، وفي ماهية هذا القطار. يربطه بالصوت الآتي كل بضع ساعات من حدود القرية؛ عند محاكاته بالفم الملتصق بغتة بأذن الأم أو الخالة، بالمرح الشرير لطفل، صوت مختزل بشدة وطفولي ليس جهوريا ولا مفزعا حقا كما يراد به، لقطار ليس أكثر من دمية مسلية.

يكبر وبعد قليل يقترن القطار بأشياء أخرى غير مرحة. كما في أغنية عربية لخضر العطار تعلن بعد موال قصير “كرهت صوتك يا قطار / كرهت ساعات الرحيل”. إنه لا يفهم النوبية ولا يصله كل غناء الحلفاويات الثلاث المعروفات بالبلابل، لكي يتأكد القطار كعلامة حميمة على الغربة والتهجير على الجانب الآخر أيضا من الحدود. ولا يصله أبدا صوت قطار حمزة الذي يفككه إلى إيقاعات تتحدث ما يشبه النوبية، فيما صار وفق اسمه العالمي “بطاقة معايدة“.

وبأشياء أقل مرحا: فشريط السكة الحديد طويل بطول البلاد، يصل إلى مصر وإلى البحر ويمر بكل الصعيد، غير مستور بسور ولا مزلقان، وقضبانه قد تنغلق على من يمر مشيا كما رأى في “فيلم عربي” قديم، أما القطار نفسه فيدهس، يطحن، يحطم، هذا المار الشارد كما سمع ممن رأوا الجثث والأشلاء، يكون بعيدا وفجأة يمر فيك، في لحمك المتطاير. لعل بعض العظام وسط القمامة الغابرة وعظام الحيوانات في ثنايا السكة في مراحلها الأقل عمرانا هي بعض عظام هؤلاء المارة العالقين هناك للأبد.

يكبر، وتصغر البلاد، والذات. ينفطم الطفل مرات ومرات ويدرك في إحداها أن كل أطفال البلاد قيل لهم: أين يدخل القطار؟

تصبح البلاد شريطا طويلا من وراء الزجاج، من حقول وبيوت طين وعمائر أسمنت والجبال من ورائها ونيل يطل، وصحراء تطل، وشمس تروح وتجيء، وترع، وأمراض، وفقر كثير، وحزن غريب ورومانسية وحب لعين لما سرعان ما سيصبح اسمه الوطن والحبيبة والأم، ومن ورائه الصورة اللعينة. وعلى مدار هذه السكة روحة وجيئة، على مدار السنين، لن أترجل أبدا في نقطة بين مدن وقرى أقصى الجنوب مسقط رأسي وبين عاصمة البلاد الأولى والثانية، إلا عندما يقذف بي نظام التعليم إلى الجنوب الأقل قصاءً.

***

سقطت قطرة من الدم على يدي التي كنت متكئا بها على نافذة القطار.. ولم ألق بالا للأمر أول مرة، فمسحتها وواصلت استغراقي واستمتاعي بخواطري […] ولكن سقوط قطرة ثانية حفزني لأن أحاول استطلاع مصدرها، فأخرجت رأسي من النافذة ونظرت إلى أعلى فوجدت خيطا من الدماء ينساب من فوق سقف عربة القطار التي يطل من فوقها أطراف حذاء عسكري، وأدركت الأمر بسرعة، فهناك جندي مصاب فوق القطار. […] صحت بمن حولي أن يطلبوا من المسؤولين عن القطار إيقافه بأسرع ما يمكن […] أجمع الناس على أن الجندي […] ارتطم رأسه بسقف إحدى القناطر التي يمر تحتها القطار […] قلت […] إنني طبيب […] كان رأس الجندي مهشما […] وكان قد فارق الحياة تماما […] سلمناه إلى الشرطة العسكرية التي بدأت في جرد محتويات ملابسه […] منديل […] ثلاث سجائر، سبعة عشر قرشا، ختم، برقية. […] “احضر حالا … والدك توفي.” […] لم أعد أرى برغم عيني المفتوحتين لا الأشجار ولا البيوت التي كانت تطل عليها نافذة القطار […] أترى هذا الوطن القاسي على أبنائه المخلصين.. أيمكن لهذا الوطن أن ينهض؟ إن الأمر كله مرهون بقليل من الرحمة يمكن أن تنقذ عالما بأكمله.

—أحمد حجي، «مذكرات جندي مصري في جبهة قناة السويس»، ١٩٨٨

***

في الشريط أيضا جسور تُمد، وأطباق تنتشر، … وأقول لأمي في محطة المدينة الريفية البعيدة، البعيدة جدا، قولا يستفزها عن “أولئك الغلابة” الذين يستقلون قطارا بائسا، فتلقي علي حقيقة تاريخية وطبقية: حتى وقت قريب كان هذا هو القطار الذي يركبه أهلي، قبل أن تتوظف البنات ويتزوجن وتنقلهن الوظائف والزيجات إلى قطارات أخرى، درجة ثانية، مكيفة. ليست هي التي ينام فيها الركاب فوق الأرفف، وإن كان متسللون يسافرون فوق أسطحها (كالهارب في فيلم آخر). ليست هي التي تسقط أرضية حماماتها فجأة بمن فيها (كما حدث). ليست هي التي تحترق في منتصف الطريق بمئات الركاب “الغلابة” كما حدث. الحقائق المقلقة لا تخلو من دواعٍ لراحة الجبان، والعكس أيضا صحيح.

أتحرك، كما تحرك أهلي، ببطء لكنه أقل من بطئهم. وفي المدن الكبرى أعرف محطات أخرى، وأعرف فيها الكتب، وأصحب فيها الصاحبات. أعود إلى هاء في الطريق إلى إسكندرية وتقول لي بحياء شيئا عن عروق يديّ لأول مرة. وبعد سنوات غير قليلة يطالعني بغرابة شديدة في أيام الثورة منظر المحطة الموحي بالبذخ أثناء “تجديدها” (من الوهلة الأولى ثبت عندي انطباع بأن النجفة العجيبة – وأنا أخاف النجف منذ شاهدت فيلما قديما آخر – هي مقصلة)، ثم أعود إليها من إسكندرية مع تاء التي لحقت بي لتصالحني، قبل أن نفترق وتعود إلى حيها الراقي. كان هذا قطارها الأول هي ربيبة السيارات. لكن ميم وأنا افترقنا قبل أن نركبه. وركبته مع باء إلى إسكندرية أيضا، هي التي يصل القطار في دولة بلادها في موعده بالثانية، الأمر الذي عجزت عن فهمه. وفي الثانية بعد الأخيرة الأخيرة شاهدت وجه سين وقد اتخذ سحنة غريبة وهي تجري بأقصى سرعتها لتلحق به وبي وأنا على بابه يائسا من قدومها. وفي مرة تالية نادرة سنذهب معا جنوبا، لتصحبني في استخراج أوراق الإعفاء النهائي. قطارها الأول إلى الجنوب، هي الصحفية، هي المحظور تجوالها طويلا من الوالد والوالدة. استجوبنا فرد المباحث إذ ما الذي يجعلنا نسافر سوية بدون زواج أو صلة قربى.

***

قبل أن يترك الطفل قريته، وفيما هو يراهق ويتململ ولا يذهب إلى أبعد من الحائط الأصفر ويحوم وحيدا أو مع خليليه الجاهلييْن أو مع قرين أو أقران حول مهارب الخيالات، في القفار الجبلية، على الطريق السريع، في المحطات شبه المهجورة، كان قد عرف بلا شك عن فيلم لوميير الأشهر، وقصة فزع المشاهدين المضحكة وجريهم من أمام القطار المقبل “بسرعة” على الشاشة.

فمن مجلة تأتي بانتظام من الخليج حاملة بقايا التنوير والتطلعات العربية على ورق مصقول مدعوم، عرف أشياء كثيرة عن بلاد لم يزرها، وأفلام لم يرها، وعن كتب لم يقرأها ولو كانت القراءة هي السبيل الوحيد المتاح. رأى بوضياف لثوان وهو يُغتال على التليفزيون متحدثا عن أهمية التعليم في تقدم الأمم المستقلة ومفتتحا فصلا طويلا في الحرب الأهلية. وسمع بوتفليقة في الإذاعة وهو يتحدث عن الإرادة الإلهية لتسييد اللغة العربية. وسمع عن حَسني لكن العولمة لم تُسمعه إياه وأسمعته خالد ورشيد وفضيل وأرته إياهم، وسرعان ما ستسمره ومن حوله ليشاهدوا على الهواء مشاهد الطائرتين المدنيتين والبرجين.

وفي المجلة قرأ نقدا عن السينما الجزائرية جعله يغضب من فيلم «عمر قتلتو» ويشتاق لرؤية «وقائع سنوات الجمر». (بعد حل مشكلة الوصول بنسبة لا بأس بها، سيشاهد الفيلمين أخيرا بينما يحتج جزائريون على التجديد لبوتفليقة، فيحب الأول كثيرا وليس الثاني.)

وفي وعيه، اقترن الوصف المقروء لعرض أفلام لوميير بما يسمعه عن قوافل الفانوس السحري التي عرضت لأهله وجيرانه القرويين هؤلاء، أيام الإصلاح الزراعي، أفلاما منها واحد عن حرق القصب، هب الناس أمامه فزعين من النيران التي اشتعلت فجأة في جدار الجامع، بينما الشباب المتعلمون الذين ذهبوا إلى سينمات العاصمة يضحكون منهم مع الموظفين الغرباء.

لن أنتبه لاسم المدينة الأولى قبل زمن: لا سيوتا. ولن تثبت “الأفلام الأجنبية” اسم الثانية في ذهني، ولن تفعل ذلك فورا المشاهد المذاعة على الهواء: مانهاتن. لكن سيبدأ تاريخ المدينتين والموقعين عندي من هاتين اللحظتين. أما محطة رمسيس/محطة مصر، حيث فصول كاملة ولحظات ومعانٍ لا تنسى من حياتي، من حياتنا، فسيبدأ تاريخها الجديد الآن.

***

السيدة المتأرجحة في مشيتها من أثر الروماتزم بشنطتيها البلاستيكيتين مثل سيدات مصريات لا يحصين رأيناهن وعرفناهن، قبل ثانية واحدة من ركوب طائرة ١١ سبتمبر الخاصة بها. الفتاة التي تنتبه بالكاد إلى ذلك الشيء الرهيب القادم فتتراجع عن حافة الرصيف ببساطة موجعة غير متناسبة إطلاقا في كل مرة نعيد فيها تشغيل اللقطات. الرجل المشتعل هبوطا وصعودا في السلم في فيلم الرعب المصري الملون “الصامت” القصير فيبعد عنه الناس مومئين في ابتعادهم كل مرة إلى مصدر الخسة الحقيقية الكبرى التي أضرمت فيه الحريق، ومصدر النبل الذي تبقى بعد كل هذه العقود مع دلو المياه.

***

هل شم الحاضرون “رائحة الشواء الزكية بشكل مربك” كما وصف صحفي إنجليزي دخوله مدينة لبنانية بُعيد غارة إسرائيلية في الثمانينات—أم كانت في التسعينات؟ لم يقل ذلك في تقاريره الصحفية اليومية، وإنما في كتاب عن الحرب، صدر بعد سنوات. لا يمكن لصحفي أن يقول ذلك في تقريره اليومي. لن يخرج المذيع الإخباري ليقول “وفي قانا شم مراسلنا رائحة شواء زكية بشكل مربك سادت أنحاء المدينة”. سيقول “ويقدر عدد الخسائر بمائتين وستة وعشرين بين قتيل وجريح جراء القصف.” أو شيئا من هذا القبيل.

***

TerrsoTrainGIF

يعرف دارسو فيلم آخر للوميير “شخصيات” الفيلم بالغ القصر، معرفة تجعلها الدراسة حميمة أكثر منها أكاديمية، تجعلهم “أبطالا”. تميز بين من يظهر ويختفي في ثلاث نسخ مختلفة من اللقطات الأيقونية وماذا يفعل في هذه الثواني بسرعة ١٦ إطارا في الثانية: العمال يغادرون مصنع لوميير في ليون-نسخة الحصانين؛ العمال يغادرون مصنع لوميير في ليون-نسخة الحصان؛ العمال يغادرون مصنع لوميير في ليون-نسخة اللا أحصنة.

ويقول واحد من هؤلاء الدارسين، قضى عاما في جمع وتركيب تناسخات هذا المشهد في أفلام تالية عبر القرن التالي:

في ١٨٩٥، كانت كاميرا الأخوين لوميير مصوبة نحو بوابات المصنع؛ إنها طليعة كاميرات المراقبة الكثيرة اليوم والتي تنتج تلقائيا وبشكل أعمى عددا مطلقا من الصور من أجل حراسة حيازة الأملاك. لعل بمقدور المرء بمثل هذه الكاميرات أن يحدد هوية الرجال الأربعة في فيلم روبرت سيودماك Robert Siodmak «القتلة» The Killers (١٩٤٦) والذين يدخلون، في لباس العمال، مصنع برانيط ويسرقون الأموال المخصصة للأجور. في هذا الفيلم يمكن للمرء أن يرى العمال يغادرون المصنع وهم في الحقيقة رجال عصابات. واليوم فإن الكاميرات المخصصة لمراقبة الجدران أو الأسوار أو المخازن أو الأسطح أو الباحات تباع فعليا مزودة بكاشفات رصد حركة وتسجيل أوتوماتيكي بالڤيديو. وهي تتجاهل التغيرات الطارئة في الضوء والتباين، ومبرمجة على تمييز أي حركة هينة من مصدر تهديد فعلي. (يُشغَّل جهاز إنذار عندما يتسلق شخص سورا، ولكن ليس عندما يطير طائر عابرا.)

هناك إذن نظام أرشيفي جديد في الطريق، مكتبة مستقبلية للصور المتحركة، يمكن للمرء أن يبحث فيه ويستعيد عناصر من الصور. وحتى الآن فإن التعريفات الحركية والتكوينية لتتابع من الصور – تلك الأشياء التي تمثل العامل الحاسم في عملية المونتاج الخاصة بتحويل تتابع من الصور إلى فيلم – لم تصنف ولم تُدخَل بعد.

كانت الكاميرا الأولى في تاريخ السينما مصوبة نحو مصنع، ولكن بعد قرن من ذلك يمكن القول إن الفيلم ينجذب بالكاد إلى المصنع بل ينفر منه.

—هارون فاروقي، ١٩٩٥

***

بتقدم الزمن والبشر والصور: تصبح الحياة في مصر هي بالأساس موضوعا (آنيا) للأرشيف، أكثر منها حياة تنسحب تدريجيا منها ومن الصورة أي معالم تذكر للحداثة وتكتفي الحداثة بالتصوير ذاته، وبينما تأكل السلطة نفسها وتأكلنا تحتفظ لنا بذكرانا الحميمة في بطنها، حيث سنرقد ونأتنس بها ممتنين، قد تشهد على نفسها، لكن تقدم الزمن والبشر والصور يتكفل بأن: تصبح الشهادة الفاضحة مادة للترفيه الدموي كما أصبحت الحروب على الهواء مادة إباحية تفرعت إلى پورنوغرافيا تعذيب؛ يئوّل المذيع الكبير الشبه الغريب بمشاهد البرجين على أن الإرهاب متهم معقول، بين فقرات برنامجه الرائج المساهم بقوة في افتراس ذبائح جديدات ظهرن قسرا في سينما الدولة، التي بعد أن استعاضت عن اللومييرات بمخرجي “الانحرافات”، استعاضت عن أولئك بمخرجي المظاهرات، ثم استعاضت عن هؤلاء بجيوش من الكاميرات المصوبة، يستقر أغلبها الآن في أيدينا.

***

من سيحب أحدا الآن ويصحبه إلى هناك؟ من سينجب طفلا الآن؟ من سيطعم طفلا ويسأله أين يدخل القطار؟ من مِن المشاهدين سيغادر مكانه؟ من سيوقف القطار؟

دليل المدينة لغير المسافر

IMG_20161023_173046
مالي، دون مغادرة الطائرة، للتزود بالوقود، أكتوبر ٢٠١٦

“يا لأحلامي يا ناتاشا، يا لأحلامي،” كان يقول، ملوحا بعصا صغيرة تصفر. “أأنا أكذب حقا عندما أنقل خيالاتي على أنها الحقيقة؟ كان لي صديق خدم لثلاث سنوات في بومباي، بومباي؟ يا إلهي! يا لموسيقى الأسماء الجغرافية. تلك الكلمة وحدها تحتوي شيئا عملاقا، قنابل من ضوء الشمس، طبولا. وتخيلي يا ناتاشا—ذلك الصديق كان عاجزا عن إيصال أي شيء، لم يتذكر شيئا سوى مناقرات العمل، والحر، وأدوار الحمى، وزوجة واحد كولونيل بريطاني. من منا زار الهند حقا؟… الأمر بديهي—بالطبع أنا. بومباي، سنغافورة… يَحضرني، على سبيل المثال…” “Natasha”, Vladimir Nabokov

كان الخان الأكبر قد أخذ يقلب صفحات أطلسه، مطالعا خرائط المدن التي تتوعدنا في الكوابيس وطلاسم اللعنات: أنوش، بابل، بلاد الجبابرة، بوتوا، العالم الجديد الرائع.

قال: “كل هذا غير مُجدٍ، إذا كان مهبطنا الأخير هو المدينة الجحيمية ولا شيء سواها، وهي التي إليها، في دوامات لا تنفك تضيق، يسحبنا التيار.”

وقال پولو: “إن جحيم الأحياء ليس باعتبار ما سيكون؛ إنْ وُجد هذا الجحيم، فهو الكائن هنا بالفعل، الجحيم الذي نعيش فيه كل يوم، والذي يتشكل من تواجدنا معا. ثمة طريقان للنجاة من مكابدته. الأولى هينة على كثيرين: اقبل الجحيم واصبح جزءا منه، فلا تستطيع رؤيته من بعدها. الثانية خطرة وتتطلب يقظة وترقبا دائمين: ابحث وتعلم أن تميز، في وسط الجحيم، من ليس جحيما وما ليس جحيما، ثم أدِم بقاءه، أفسح له.”  Invisible Cities, Italo Calvino

منذ دستة أعوام كان مطلوبا مني أن أعد دليلا للمدينة. كانت الطريقة الوحيدة المسموح بها هي الجلوس إلى المكتب واستخدام الإنترنت والتليفون. كانت المدينة موضوع الدليل هي القاهرة. كانت المدينة الكائن بها المكتب في الشركة الكبيرة هي القاهرة.

منذ دستة أعوام قال كاتب أدلة سفر في شركة نشر أكبر وأعرق إنه كتب عن بلدان لم يرها، وإن هذا لا غبار عليه.

منذ دستة أعوام، وإلى جانب فقاعة المعرفة الآخذة في التعملق العنكبوتي حيث المعلومات تُشتق من معلومات، كانت فقاعة شبيهة وذات قربى على وشك أن تنفجر، حيث الأموال تشتق من أموال… تشتق من أموال تشتق من أموال تشتق…

في «الاستشراق»، يرصد سعيد كيف يأتي الرحالة إلى مصر ويكتب عنها ما أساسه وأغلبه نقلا عن عمدة كلاسيكي سبق مصنفَه هذا الذي في سبيله إلى أن يصبح عمدة كلاسيكيا بدوره من سلالة مخاتير وأمهات وآباء. يأتي المستشرق ليرى ما سبق أن قرأه وتصوره ويؤكد عليه من واقع مشاهدته.

هل اقترف كاپوشتشنسكي ذنبا أجمل عندما كتب عن بلدان لم يزرها فقط وإنما زارها وهي في آتون الحرب، لكنه في وسط أحداثه وشخصياته زرع أشياء لم تحدث وأشخاصا غير موجودين؟

لم يعبأ هيلموت “السائح” في ٤٠ بلدا بالآثار والبشر وإنما بمجرد السير، استخرج بعد يوم واحد في قنا خطأ في خريطتها، ردته الشرطة على أعقابه عند مشارف صحراء أسوان الغربية لأنها ليست مكانا للتجوال لأنها خارج التغطية الأمنية، حيره وجود جزيرتين باسمين اتضح أنهما جزيرة واحدة، النباتات وكتشنر. هناك هاءان أخريان، سارت إحداهما في الجهة الأخرى من البحر للمرة الأولى خارج بلدها وقدماها لا تصدقان أن هذه هي الأرض نفسها، وجاهدت لتصف الشعور، وعادت الأخرى من كل البلدان التي زارتها في كل مرة “كالخشبة”، مهونة علي ربما.

لا يسافر المصريون المعاصرون (ربما المحدثون؟) إلى بلاد وإنما إلى دول. يقول واحدهم إنه سافر إلى دول كثيرة، وتقول واحدتهم إن أحلى دولة هي … أفكر في كل مرة مع كل تركيبة جديدة مدهشة: إلى هذا الحد تمكنت الدولة من الخيال واللغة. أفكر في كل مرة: كأن القائل ذهب في زيارة إلى برلمان البلد أو مقر حكومته ومراكز شرطته وثكناته. أفكر في كل مرة: هل تغذي اللغة والخيال بدورهما الدولة؟ أهما أساساتها المعنوية الأمتن من الخرسانة المسلحة؟ أفكر الآن: هل الدولة فقاعة؟

أين ذهبت البلاد؟ كم عمر الفقاعة؟

أخلاق القرية الذكية

(١) في مصر يشن نقيب الموسيقيين حربا على شاب صاعد النجومية بفضل نوع شعبي إلكتروني سهل الإنتاج، حرب قطع عيش لا مجرد حرب عدم اعتراف باردة، يدعمها المجهود الحربي للجان الرقابة والمهن الفنية لضبط وتمرير ما هو فن وما هو شرعي وما هو صالح وما هو نافع، لتُظهر النظام بصورة عجيبة، ليست معادية للفن والثقافة والحرية بأكثر من معاداتها للسوق والرأسمالية، في بلد يعاني منها حَمُّو وبقية الشباب من التعطل والتخلف الاقتصادي ويُمنعون الآن من اجتراح فرص لأنفسهم وخلق وظائف لغيرهم، وليس بالضرورة ولا بوضوح لأن العمل معارض أو هدام أو منحط، إذ يكفي أن يكون صاحبه غير ملم بالقراءة والكتابة اللازمتين ربما لعضوية اتحاد الكتاب. على غرار روسيا الستالينية وألمانيا الهتلرية ومصر الناصرية يرى هؤلاء نظام بلادهم، رأسمالية (دولة) من نوع أو آخر مخطط مركزيا إلى هذا الحد أو ذاك تحت نظام شمولي يغذي صورة قومية متعاظمة تسير الأمة في ركابها إلى المجد والخلاص أو مجرد البقاء. الفارق الهزلي هنا هو أن السلطات الثقافية لا تعبأ حقا بتحقق أي من هذه الشروط القمعية لتشديد قبضتها: شمولية غير مستوفاة المتطلبات وغير قادرة على المنع الفعلي في عصر الاستنساخ الرقمي ضمن دولة تابعة تماما للأجندة الليبرالية الجديدة.

(٢) في مصر وسوريا بعد ٦٧ تركت الدولة مجالا للفنانين الغاضبين وأعطتهم المؤسسات والأدوات ليصنعوا أفلاما مثلا كما فعل عمر أميرالاي وعطيات الأبنودي وحسام علي (المعرض الزراعي)، على ألا تعرض لجماهير حقا قط. يستغرق الأمر عقودا حتى يدخل الإنترنت وأخرى حتى يتسنى نشرها ثم تداولها (وليس “توزيعها”) عليه، وأبدا فوق ذلك ليكتشفها من لا يعرف بوجود هذا الشيء وهذا العالم، على الأخص بعد تقديم مناسب يحكمه في النهاية مزاج الخوارزميات. تظل في مقبرتها المعروفة بالمركز القومي لتحقق تنويعة غريبة مما أسماه بنيامين “القيمة المعبدية” للعمل الفني في عصور ما قبل الحداثة، مرئية فقط للنخبة المثقفة والغاوين، ولا بأس من أن تعرض من زمن لآخر في نادٍ بل على جمهور رمزي ما ضمن مهرجان مثلا، بلا “قيمة معرضية” حقيقية في زمن الاستنساخ الفائق للآلي.

(٣) في فرنسا ما بعد الكومونة نُبذ مصورون فرنسيون شبان من المؤسسة لأن ما أنتجوه كان بوصف ناقد معاصر “جريمة” في حق الفن (“الشكل”) والأساتذة، لكن أحدا لم يمنعهم من لم الفلوس وتأجير ستوديو وتنظيم ٨ معارض لعقد ونيّف قبل أن ينفرط عقدهم لأسباب تتعلق بالتطور لا التضييق، ولا من الحصول على مقابل (عيني، من دهانات ألوان وقماش لوحات) من شخص وحيد (أب كما كنوه) قبل لوحاتهم ليحاول بيعها. هذه فرنسا المنتصرة إن لم يكن على پروسيا فعلى سلسلة أجيال من الثورات الكبرى استولى آخرها على العاصمة لشهرين، وسيصبح هؤلاء الفنانون المعدمون أساتذة المستقبل غير البعيد (و”الفنانين الرسميين” فيه—غوغان، متنبئا ومتخوفا: مانيه، مونيه، رينوار، …).

(٤) في مصر الآن ليست مصر هي مصر ما بعد ٦٧ المعترفة بهزيمة الحكم العسكري كشرط للتنمية، ولا ما بعد ٣٠ يونيو المطالَبة كدولة من ثورييها الجدد بأن تحارب مرة أخرى (في الداخل هذه المرة، مع استبعاد صوت واحد فقط من المعركة). في مصر تنمو أوهام العظمة الحاكمة الخائفة بجنون ونزعتها للقضاء على كل تهديد محتمل والانتقام من كل تهديد سابق لم ينضم إلى قائمة الأصدقاء، تنمو في فراغ آخذ في أن يصبح كاملا يُسحب منه تباعا كل الهواء والمعنى ولا تحسب القوة التدميرية الصرفة حسابا لغد تجد فيه ما تأكله هي والمؤمنون بها وتنمو كشر ضروري يمت بصلة إلى الحياة الذكية. “وجعانين ميتين”.