عندما كنت تذهبين إلى المتاحف

حبيبتي،

حل عيد ميلادك التاسع والعشرين منذ 10 أيام. اطمئنني. لم تبلغيه. مُتِّ دون السابعة والعشرين. أما اليوم فتحل ذكرى لم تعد في تقويم أحد غيري. ففي عصر مثل هذا اليوم منذ 10 سنوات على زهرة البستان صرنا حبيبين. وللسنوات السبع التالية اختلفنا وأنت ضاحكة ومغتاظة حول التاريخ الصحيح، فلسبب ما التبس علي الأمر دائما: أهو 1 أغسطس أم 1 سبتمبر؟ هذه المرة والمرتان السابقتان ليستا استثناءا. الفارق أنك لست هنا لتحسمي لي ولأطمئن لذاكرتك التي وثقت بها كما وثقت بك في كل شيء، أكثر بكثير مما وثقت في نفسي.

***

أنا لا أعرف بالضبط معنى أن أكتب لك الآن. كل ما أعرفه أنه ليس خاليا تماما من المعنى. أنت لست هنا لنتأمل معا ونثرثر في دقائق الأشياء. ولكن أتعرفين ما هو الشيء الأقسى؟ صدقيني، مهما كانت المنافسة شرسة على القائمة (ودعك حتى من الأشياء بالغة القسوة وانعدام الإحساس إلى حد مضحك التي قالها لي وأمامي الممرضات والتمرجية باعتبارك جثة)، الأشد قسوة بلا منازع هو أنني أنسى تفاصيلك. منذ قليل شممت بين النوم والصحيان ما تخيلت أنه رائحتك. لا أشكو من أنني حُرمت من الاحتفاظ بها أطول وقت ممكن في ملابسك. فربما كان الأدق أنني نجحت في نسيان تفاصيلك. هل يخفف فداحة الأمر أن أضيف كلمة “بعض”؟ أليس نسيان تفصيلة واحدة من جسمك فادحا بما يكفي؟ ألست محقا في أن أعتقد أحيانا أن من الحماقة والشر والعبث أن نحب على هذا النحو؟ وهل تخلصت حقا وإلى الأبد من أعراض الانسحاب الخاصة بافتقاد لمستك وصوتك وصورتك الحية؟

***

عندما كنت تذهبين إلى المتاحف، كان يهزك أكثر من أي شيء منظر الأدوات المنزلية اليومية ولعب الأطفال؛ فكرة أن هذه المعروضات التاريخية القديمة كانت يوما في مطبخ وغرفة نوم وفناء، وكان للمرأة والطفل أسماء وحيوات كاملة وتفاصيل وقلوب تخفق وأيام تسير. وعندما ذهبت أنا إلى البيت بعدك للمرة الأولى، جربت للمرة الأولى أن أرى وألمس أشياءك وآثارك وأنت لست في العالم. لكنك يا هند لست إنسانا مجهولا من التاريخ. (ما زلت لا أعرف كيف كنت قبلك وفي الحقيقة أين أنتهي أنا وتبدأين أنت.) فكرت أن أقيم لك مزارا خاصا من مكتبتك ودبدوب طفولتك وكوبك وأدواتك وضاعت الفكرة. هل يضيع شيء؟ وهل ينجو شيء؟

***

بعد أن رحلتِ كنت مصرا باستماتة على استعادة كل شيء والحفاظ على كل شيء. لكنني توقفت بسرعة ويأس. الآن أريد أن أبدأ بصبر واستسلام وتحدٍِ في أن أسجل كل شيء؛ كل تفصيلة بدت تافهة وهامشية، أن أجمع كل ما يتعلق بمن أنت وكيف كنت وماذا حدث معك، كما يفعل المؤرخون. وبعناد أستعيد مرارا اللحظة التي انتزعني فيها خوف الجنون من انفرادي بك في كفنك، لكي أهدهدك بتهنينة الموت.

***

أكتب لك على ضوء المنور الذي لم أملك عندما شاهدته – ولأسباب تستعصي على الشرح، ربما لعزلته وسكينته وغرابته؟ – إلا أن أتذكر قبرك، وأن أشعر بعزاء أنني أعيش بجانبه وأنا في غرفتي ببيت أمي، وأنني عاجلا أم آجلا سأنضم إلى هذا العالم الصامت الذي خفق له قلبك، عندما كنت تذهبين إلى المتاحف.

[صورة لك، من ظهرك، مفقودة وجاري البحث عنها، في بيت كفافيس، فبراير 2006، يغمرك النور والستائر وأنت تطلين من النافذة.]

Advertisements
نُشِرت في رسائل | 3 تعليقات

إني رأيت أفضل عقول جيل الستينات وقد دمرها الجنون

(1)

يتجرع شباب الثورة مرارة الخيانة وصدمتها؛ لقد خذلهم أساتذتهم من المناضلين القدامى والمثقفين الكبار، فبعد أن ساهموا في كبح الثورة، وقفوا دون مواربة مع الفاشية الصاعدة. لكن التفسيرات لا تخرج عن بطاقة تعريف ‘تقدميًُّو الدولة’ بتنويعاتها وفكرة صراع الأجيال. وما يغيب عنهم هو الأفدح: أنهم أنفسهم مرشحون لتكرار السقوط المدوّي نفسه، برغم كل الفوارق والمميزات التي لصالحهم، وبرغم تجربتهم الفريدة. وذلك ببساطة لأنهم لم يسألوا بجدية: ماذا حدث للأساتذة وكيف أصابهم ما أصابهم؟

(2)

منذ بضع سنوات، جلس مثقفان كبيران حقا في كافيتيريا المجلس الأعلى للثقافة، بعد ندوة عن ما بعد الاستعمار. كانا تقدميّيْن وإن كان أحدهما على يسار الآخر بمسافة، لكنهما اتفقا أن لا حل للمشكلة لكن هذا لا يعني إنكارهما، أو حرمانهما من، “لذة النقاش”. لقد تحول السيدان بعد ثلاثة عقود في حظيرة الدولة للمثقفين إلى دودتي كتب، إلى كلبي فلسفة، إلى حيواني سياسة، لا أمل عندهما ولا إيمان ولا حل، لكنهما كعقلين متطورين يقتاتان على الفكر.

(3)

المناضلون القدامى مثقلون بتجربة هائلة، بنضال حقيقي دفعوا ثمنه ملاحقة وسجنا وتعذيبا وخسائر لا تعد ولا تعوض. لكن خسائرهم الأكبر التي لم يدركوها أبدا جاءت فيما بعد، عندما وصلوا إلى ما اعتقدوا أنه الحكمة: انقشاع الأوهام الدفين بإمكانية الثورة، كل ثورة؛ بأنهم قاموا بواجبهم وآن لهم أن يرتاحوا، أن يهادنوا النظام بمعناه الواسع، أن يغيروه أحيانا من داخله، أن يتماهوا معه دون أن يفقدوا ذواتهم، أن يحافظوا على الخير والنور الباقيَيْن ويدافعوا عنهما ويحموهما، أن يصلحوا قدر المستطاع بالشروط الجديدة وعلى مهل، وأن يعزوا أنفسهم بالكتب والأطفال ولَوْك السياسة والتاريخ وتحليل الأخبار وحب الحياة.

(4)

وفي هذه الأثناء، يحدث ما لا يحسب المناضلون القدامى حسابه ويكادوا لا يدركونه، فهم يتورطون أكثر فأكثر مع المنظومة؛ تتماهى مصالحهم مع مصالحها؛ يصبح الثوري مثقفا وموظفا؛ زوجا وأبا وأما؛ مواطنا وزبونا؛ يحارب من جبهة المحامي والحقوقي والكاتب والحزبي والمهني؛ تتحول حربه مع النظام التي لا غبار عليها إلى جزء من الحرب اليومية في إطار تنافس ديموقراطية السوق، داخل دولة القانون التي تبتلع الصراع وتبرّده في دولابها العتيد الرهيب، ويتشظى نضاله إلى أنشطة لا تخرج أبدا عن قواعد المعارضة، حتى إن بدا غير ذلك، وتوحي له المكاسب وكذلك المقاومات المختلفة لنضاله بأنه لا يزال على طريق الثورة.

(5)

وفي هذه الأثناء أيضا، يكبر أبناء وبنات المناضلين الكبار، البيولوچيون والمنتسبون؛ يُربَّوْن في البيت كما يربَّى الأطفال في كل بيت مع فارق نوعي ما؛ يندرجون في مدارس النظام؛ يلقَّنون مبادئ التعامل مع المنظومة: التوازن، الحسابات، الحلول الوسطى؛ تضج عقولهم ونفوسهم بالتناقضات الصارخة، بالماضي المجيد والواقع الأنكر؛ يحلمون بالثورة التي بشر بها الأساتذة وينتظرون مثلهم أن يتغير المجتمع؛ يساهمون في ذلك بما تيسر ويتمايزون عن غيرهم ويحاولون الاتساق مع أنفسهم وأن يؤدوا دورهم في متابعة المقاومة؛ يحبون الوطن كما يعرفونه؛ يتمردون على أساتذتهم بينما هم واقعون في أَسْرهم وهواهم وضائعون في ظلهم. إنهم، مهما يكن، أبطالهم. يكرهون الشرطة والدينيين والرأسماليين، لكنهم كما ورثوا عن أساتذتهم ذكاءهم وعداواتهم، ورثوا مصالحهم.

(6)

المناضلون القدامى مسمومون بهزائمهم التاريخية وشكهم العميق في جدوى ما فعلوه وحقيقة ما حلموا به. إن انتظارهم الدهري يقودهم إلى استعذاب القصص والاعتزاز الزائد بالانتصارات الصغيرة، إلى التطلع لأن يثبت الزمن حكمتهم مقابل هذا الفصيل أو ذاك، وإلى الرضا بسقف أوطى لا يجلب ذل الخيبة. ألم تتحسن المنظومة بفضل نضالاتهم الطويلة المتعاقبة؟ أليس الطريق طويلا لا يزال قبل التحول الكبير؟ وهم في تخبطهم العظيم وترنحهم كالسكارى وإحداثهم جلبة تليق بعقولهم الفذة وتجربتهم الضخمة يصيبون تلامذتهم بداء الضمير الملوث بحزن الكبرياء الجريح، بجنون التمزق بين الاغتراب والتماهي، وبين التجاوز الإعجازي والسقوط في ورطة المصالح والاحتواء. إن الملاحقات والسجون والتعذيب لم تمر عليهم مرور الكرام. إنهم لم يتداووا من ذلك أبدا. إن تلك أشياء قد تُفْقد العقل.

(7)

يحمل المناضلون بالضرورة أعباء خرافية. فمهامهم الفائقة للعادة تعني أنهم يقومون بوظيفتهم الثورية كأفراد نيابةً عن الجماهير الغفيرة، وفي انتظار تلك الجماهير الغفيرة. وفي لحظات الشك اللعين واليأس المطبق والقبضة الخانقة ينمو الجنون شيئا فشيئا: هل حدث حقا ما حدث؟ أما نراه حقيقة؟ أهناك من سيأتي بالفعل؟ وكما سيشعر تلامذته فيما بعد، يترنح هو منذ وقت طويل بالخيانات. إن الثوري الذي يحتكر الثورة، بنبل لا يغير من حقيقة الاحتكار، لن يغفر أبدا لنفسه وللآخرين. إن الثوري المهزوم المعتزل كائن مشوه، ضحى تضحيات فادحة بما في ذلك تضحيات بروحه، وهو لا يدفع ثمن التوقف عن التطور بالاندثار قبل أن يُلحق تدهوره الضرر بكل زرعه في دراما صامتة بالغة العنف.

(8)

تأتي كل ثورة لتجيب على أسئلة قديمة، لكن سؤالا واحدا يبقى لا إجابة له فيما مضى وإلا لما جاءت ثورة جديدة من الأصل: كيف يتغير العالم؟ كيف نقطع مع الماضي؟ كيف يختفي الظلم؟ كيف تتوقف البشاعة؟ كيف نسعد؟ لكن اللحظات العالية تنحسر حتى قبل أن يستوعب النظام الصدمة. فشروط الانحسار كامنة في المنظومة—النظام الأكبر، النظام بمعناه الواسع، الحقيقي. تعود الجماهير إلى بيتها لتعيد ما كان؛ تذهب إلى العمل وتشتري وتبيع وتلتمس الأمان، ويهرع التلامذة عند التقاط الأنفاس لاستيعاب ما فاتهم من دروس الماضي الجليل الذي طالما راود أحلامهم المراهقة: انتفاضات الطلبة والعمال والانقلابات الوطنية وإسقاط الدكتاتوريين؛ الأغاني وسحر الانصهار العلوي في الجماهير؛ إخضاع السماء والتاريخ والأقدار وإيقاف الزمن. يصبح لكل ذلك فجأة معنى وتدب فيه الروح. لكن اللحظة تنحسر بغدر وتفلت من القبضة البطولية، ويعود النهر إلى مجراه وديعا منكسرا بعد أن فاض في دورته الطبيعية، ويتم ترويضه أكثر. يكمل التلميذ دورة حياة الأستاذ وفي لحظة منها ينوء الأول بخيانة الأخير ويجن الثاني بتمرد الأول. يعودان ثملَيْن إلى الضفاف الموحشة الرتيبة بعد أن ذاقا من جديد نشوة اكتساح الأمواج لكل شيء وتبشيرها بأرض جديدة.

(9)

في كل ثورة يبرز، إلى جانب ممثليها الحقيقيين، رجال من طابع مغاير. بعضهم، من جهة، مشتركو الثورات السابقة وعابدوها الخرافيون ممن لا يعرفون مغزى الحركة الراهنة بيد أنهم لا يزالون يحتفظون بتأثير في الشعب لأمانتهم المعروفة للجميع ولشجاعتهم أو لمجرد قوة التقاليد؛ وآخرون هم مجرد زُعَّاق يرددون، العام تلو العام، تصريحاتهم المألوفة ضد الحكومات القائمة ويلقبون لذلك بلقب ثوريين من الدرجة الأولى، هذا من جهة ثانية. وبعد 18 آذار (مارس) ظهر أيضا رجال من هؤلاء وتسنى لهم أن يلعبوا دورا بارزا في بعض الأحيان. وقد عرقلوا الحركة الحقيقية للطبقة العاملة بقدر طاقتهم، تماما كما عرقل رجال من ذلك الطراز التطور التام لجميع الثورات السابقة. إنهم شر لا مناص منه؛ ولا يمكن أن يطرح هؤلاء جانبا إلا مع مضي الوقت ولكن ذلك الوقت ما كان في حوزة الكوميونة.

كارل ماركس – الحرب الأهلية في فرنسا، 1871

(10)

كل ثورة تقوم، نجحت أم لم تنجح، تفعل ما يمكن تسميته مجازا كسر الحلقة الجهنمية، الحلقة التي كانت تحول دون قيامها أصلا: الخوف، الانقسام، الشك، غياب الوعي… لكن الحلقة لا تنكسر حقا إلا بالاستمرار المرير؛ بتأبيد اللحظة الفائقة للطبيعة وتعميقها بحيث تتخلص من عفويتها وطبيعتها الزائلة. لكن الجذور ضعيفة حقا على عكس جذور المنظومة الضاربة الغائرة في نفوس الثوار أنفسهم، الذين يحاربونها على أرضها وبشروطها. وإذ تنحسر الجماهير يجن جنون الثائر الجديد بينما يقفز جنون القديم إلى مستويات جديدة، صعودا وهبوطا بين ذروة الأمل والثقة وقاع اليأس والشك. يعودون كلٌّ بِطَريق إلى لعبة احتكار الثورة؛ يصبح هذا ناشطا وهذا سياسيا؛ يهرولون في دهاليز السلطة والقانون ليمارسوا أدوارهم الواضحة المعروفة منتهزين الفرص وموازنين بين الضمير والأمان؛ يحاولون هدم الدولة ثم يهبون لإنقاذها مرتعبين؛ يشاركون أعداءهم الغناء للوطن؛ يناقشون الثورة على التليفزيون وسط الفقرات الإعلانية أثناء سقوط شهداء جدد، ويشاركهم النقاش لص الثورة وجلاد الثوار؛ تهولهم قلة عددهم بعد كل فرز جديد؛ يتوقف بعضهم عن الغناء للوطن؛ ينمو وعي أكثرهم، لكنهم يعودون إلى المدرسة والجامعة لا ليحتلوها وإنما ليتخرجوا ويعملوا ويتزوجوا؛ يسب بعضهم دين الجماهير ليتهمهم رفاقهم بالكفر بالجماهير التي صنعت الثورة، ويظل هؤلاء وأولئك على السواء أفنديات، يمارسون علاقاتهم الاغترابية وإنْ بروح جديدة منتعشة ومثقلة بالخبرة الأليمة بعين حالمة وعين سئمة؛ يقدسون شهداءهم ويتآكل إيمانهم بسواهم وتختلف مذاهبهم في عبادتهم؛ يمارسون الدروشة حول أيقوناتهم المجنحة؛ يصبح أهالي الشهداء آل البيت الجدد الذين سيوسعون رقعة الثورة، وأبطال الكرة نجوم الدوري العائد بمباركتهم ثم شهداء المذابح الجديدة في المدرجات ثم أصحاب الأرواح المطالبة بالقصاص في المحاكم وتحقيقات الشرطة والنيابة؛ ينقضون على كل عدو إلا الذي خرجوا إلى لقائه؛ يستنسخون سلطويته في أبنية حركاتهم وأحزابهم وعلاقاتهم؛ لا يجترحون بديلا وحيدا على الأرض يرهص بمجتمع أحلامهم؛ تهرول فلولهم في حرب استنزاف طويلة وراء المعتقلين وضد القرارات وفي طريق الانتخابات والاستفتاءات، وفي ألف مناسبة يائسة لاستحضار المعجزة من جديد؛ يضخون اقتصادهم في صناديق اكتتاب عبثي لدفع الكفالات والرشاوى؛ يكتئبون كما تريد لهم المنظومة ويبتهجون كلما أفرج عن مسجون؛ ويصبح أفضلهم عدميا أو إيجابيا. وتنبذهم الجماهير، وينبذهم النظام، وينبذون بعضهم البعض، لأنهم في الحقيقة، مثل أساتذتهم، لم ينبذوا أنفسهم بأنفسهم. وخلال كل تمرداتهم الصغيرة على الأجيال السابقة، لا يأخذون الثورة معهم إلى المنزل، إلى الحياة اليومية، بعد أن تركوا ما كان سيصبح أسرتهم الجديدة من ثوار الشوارع. وبينما يستيقظ الوحش الذي أقلقوه، يصبحون أساتذة، وينتظرون الثورة الجديدة.

“الثورة…كم أحببناها!”

نُشِرت في خواطر | الوسوم: , , | 3 تعليقات

المزيد عن دور مصر في الحرب بالوكالة على بيافرا

101011_r20077_p886-934-1200-12132801

أثار مقالي بالمصري اليوم (المنشور قبلها بأيام على مدونتي) شيئا من الصدمة المطلوبة عند المكذبين والمصدقين على السواء. وهذا أمر محمود كما أن الإنكار مفهوم (بل وجيد من ناحية فهو يدل على استبشاع الأفعال المذكورة)، وعبادة عبد الناصر أيضا مفهومة. وسأتناول هنا انتقادات الجانبين بدون ترتيب محدد:

  1. القصة كلها مختلقة: في الحقيقة لم أدّع في المقال أنني أكشف أو أفضح أي شيء. وأغرب ما في قصة بيافرا أنها ليست سرا. وكل ما أردت لفت الانتباه إليه هو كيف أصبح تاريخ حرب وجريمة كبيرة كهذه مسكوتا عنه وكيف لا يزال البحث عن حقائقه أمرا صعبا بعد مرور أكثر من 4 عقود. وحتى دور مصر ليس سرا وقد أكدت على الواقعة الغريبة الخاصة بترجمة فاطمة ناعوت الناصرية السيساوية لرواية أديتشي دون أي رقابة، وأن هذه الترجمة للمفارقة صادرة عن الذراع الرئيسية للنشر في الدولة المصرية. وفي هذا المقال بالأهرام والذي لم أذكره في المقال السابق لأنني اكتشفته لاحقا، ونشر منذ أقل من 3 أشهر، يتحدث محمد فائق، “رجل عبد الناصر في أفريقيا” وسبق ذكره في المقال السابق، عن تفاصيل عسكرية أكثر تخص دور مصر وطياريها في الحرب. ولعل ناعوت وفائق لا يجدان غضاضة فيما فعلناه في بيافرا أصلا. ويذكر سعيد الشحات في مقال باليوم السابع من 2010 طرفا من خبر الطائرات الروسية ودور مصر. (للمزيد عن فائق وعبد الناصر وبيافرا راجع رواية مؤيدة لعبد الناصر وتصف العملية “الطريفة” كجزء من “مقاومة الاستعمار” صفحة 241 من كتاب «أحاديث في السياسة والفكر والسلام والتعليم»، محمد صالح المسفر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005، وفي الأسفل صورة منها، ويمكن مطالعتها أيضا على كتب جوجل هنا.)                    Screenshot from 2014-05-19 204625
  2. المعلومات العسكرية عن الطائرات المستخدمة خاطئة وتكشف الكذب: لم أدّع أي خبرة عسكرية (البلد والحمد لله مليئة بالخبراء العسكريين ولست والحمد لله واحدا منهم) ولم أدّع القيام بتحقيق استقصائي. ويمكن لغيري تدقيق هذه المعلومات. وكل معلومة وردت بهذا الصدد أحيل القارئ فيها إلى مصدر كما أن اتفاق المصادر ملحوظ. وجدير بالذكر أنني استبعدت كل مصدر مثير للشك ومن ضمن ذلك المصادر الإسرائيلية. وأخيرا فبدلا من أن يجتهد المكذبون في بيان أي ثغرات متخيلة، دعونا نتفق أن الطيارين المصريين المرتزقة، أو المحاربين بالوكالة إذا كان تعبير “مرتزقة” جارحا للمشاعر، لم يكونوا في كل الأحوال يقودون طائرات ورقية.
  3. المقال يعتمد على ويكيبديا وهي مصدر ضعيف: لم تذكر ويكيبديا إلا في سياق عرض قصتي الشخصية الخاصة باكتشاف الأمر. بل إنني لفتت النظر إلى التفاوتات بين المعلومات المذكورة في النسختين العربية والإنجليزية وكان غرضي من ذلك أيضا التأكيد على فكرة أساسية في المقال وهي: من يكتب التاريخ؟
  4. الغرض من المقال غير واضح: تزامن نشري للمقال على المدونة، وكان قبل ذلك مجرد خاطرة سريعة على فيسبوك من العام السابق، مع ردة فعل عالمية امتدت إلى مصر على اختطاف التلميذات النيجيريات، ومن هنا كان الإهداء إلى المتعاطفين ليزدادوا تعاطفا وفهما من ناحية، ولنختبر حقيقة تعاطفهم من ناحية أخرى. فقبل أن تظهر بوكو حرام بعقود، شاركت مصر في حرب ذات أبعاد طائفية تطورت إلى إبادة الشعب نفسه الذي يتعاطف المصريون معه اليوم. ولهذا ربطت، إن كنت في حاجة إلى الربط أصلا، بين الإرهاب على طراز القاعدة في أفريقيا، وبين حروبها الأهلية، وبين تاريخ ‘أبطال الاستقلال’، فكل هذا يحدث في إطار ما بات يعرف بعملية ووضع ما بعد الاستعمار: الاستقلال الاسمي لمخلّفات استعمار لم يغير إلا شكله القديم. اللعب بالألفاظ على كلمة “بوكو” أكثر من مجرد زينة بلاغية. وحرب عبد الناصر بالوكالة للاتحاد السوفييتي وإنجلترا ونيجيريا في الوقت نفسه توضح ذلك. كما أن تورطه في ذبح المدنيين البيافريين باستخدام طيارين مصريين بعد وقت قليل مما جلبه علينا من نكسة ذات آثار درامية باقية جانب آخر من عبث ومآسي ما بعد الاستعمار، ومن نافلة القول إنه يزيدنا خزيا. والناصرية الرابضة في حياتنا بعد ثورة يناير 2011، والتي انتكست جزئيا على الأقل بسببها، تجعل القصة ذات معنى أكبر وأكثر معاصرة بالنسبة للمصريين، حتى لو اعتبروا جرائم كهذه تسقط بالتقادم.
  5. حداثة سن الكاتب وعدم معاصرته للأحداث: هذه النقطة أتفه من أن نهتم بها، فبداهة أن التاريخ ليس حكرا لمعاصريه وإلا سنلغي باستمرار كل ما حدث قبل أن يولد ويعي أكبرنا سنا! وربما كانت حداثة سن الكاتب عذرا لجهله بالأمر حتى وقت قريب، أما الكبار فما حجتهم؟ وأخيرا فحداثة السن نعمة بفضل الإنترنت، أحد أبطال قصتي، وبفضل معاصرتي لثورة أطاحت بحاكم كان وقت ارتكاب مذابح بيافرا قائدا لقاعدة جوية فمديرا للقوات الجوية فرئيسا لأركان حرب القوات الجوية فقائدا للقوات الجوية، وهو من يُسأل في ذلك وليس أنا فهو بالطبع يعرف الكثير.

تعديلات (بالغليظ) تعذر إدخالها على نسخة المصري اليوم:

بعد عشر سنوات، يجلس أحدهم ليبحث عن أصل الڤيديو الذي علق بذاكرته دونا عن غيره، ولم تكن لديه أية فكرة عن خلفيته. وبعد أن بحث طويلا بكل الكلمات المفتاحية المحتملة، وجده. اللقطات من الحرب الأهلية النيچيرية لإعدام بدون محاكمة لرجل مشتبه في كونه جنديا بيافريا، من أرشيف قناة إخبارية أوروبية. وتأتي المشاهدة الجديدة بحوار (كله بالإنجليزية) وتفاصيل مختلفة عما في ذاكرته.

المعدوم في الڤيديو هو ماثياس كانو أثناء مداهمة لقرية من قِبَل الجيش النيچيري الفيدرالي. والڤيديو مرفوع كمحاولة للتعرف على القاتل (برتبة كاپتن) “لكي ترقد روح كانو في سلام.”

Save

نُشِرت في تعقيبات | الوسوم: , , , , , , , , , , , , | أضف تعليق

پوكو حرام: عبد الناصر وطياروه المرتزقة

إهداء: إلى كل المصريين المتعاطفين مع التلميذات المخطوفات في نيچيريا من قِبَل إرهابيي بوكو حرام الذين ارتكبوا مذابح ضد المسيحيين وضد المسلمين غير المتعاونين.

في مطلع الألفية الثالثة يتحلق طلبة بجامعة المنيا حول شاشة كمپيوتر أحدهم ويشاهدون تسجيلات مصورة منوعة مضحكة أو فضائحية أو عنيفة. من النوع الأخير مثلا لقطات لقتل وإعدام بدون محاكمة من الشيشان. ربما لم يكن لهذا علاقة بأن بعضهم يتعاطى العقاقير الكيميائية كما كان رائجا في ذلك الوقت بين الشباب، بقدر ما أن هذه المصنفات كانت منتشرة لسبب ما على الكمپيوترات – في وقت لم تكن الهواتف فيه ذكية ولم تكن سرعات الإنترنت تسمح بتداولها عليه – ضمن الغرائب والعجائب والممنوعات المتنوعة، لكنهم كانوا على أي حال متأثرين.

أحد الڤيديوهات يظهر شخصين أفريقيين داخل حقل، بجوارهما ثالث بخوذة، أحدهما عاري الصدر ومقيد، وعلى شفتي الآخر ووجهه تعبير هادئ باسم واثق بينما يتبادل الحديث بالإنجليزية مع شخص وراء الكاميرا يتحدث الإنجليزية بلكنة أصلية، بينما المقيد يتوسل بلغة غير مفهومة. بعد دقيقتين وأثناء الحديث يطلق الأول النار على رأس الثاني. يصرخ الطالب مصدوما رغم أنه شاهد الڤيديو لأكثر من مرة: “سَكِّته! سَكِّته!”

بعد عشر سنوات، يجلس أحدهم ليبحث عن أصل الڤيديو الذي علق بذاكرته دونا عن غيره، ولم تكن لديه أية فكرة عن خلفيته. وبعد أن بحث طويلا بكل الكلمات المفتاحية المحتملة، وجده. اللقطات من الحرب الأهلية النيچيرية لإعدام بدون محاكمة لرجل مشتبه في كونه جنديا بيافريا، من أرشيف قناة إخبارية أوروبية. وتأتي المشاهدة الجديدة بحوار (كله بالإنجليزية) وتفاصيل مختلفة عما في ذاكرته.

المعدوم في الڤيديو هو ماثياس كانو أثناء مداهمة لقرية من قِبَل الجيش النيچيري الفيدرالي. والڤيديو مرفوع كمحاولة للتعرف على القاتل (برتبة كاپتن) “لكي ترقد روح كانو في سلام.”

في مقال ويكيپيديا الإنجليزية عن الحرب المعنية يلفت نظر الباحث من ضمن قائمة المتحاربين علم الجمهورية العربية المتحدة، الذي ظل اسما رسميا لمصر حتى بعد انفصالها عن سوريا بل ووفاة عبد الناصر، ضمن أعلام عربية أخرى، إلى جانب إنجلترا والاتحاد السوڤييتي ودول أفريقية. وبمزيد من البحث، ومع قلة المصادر بشكل غريب ومريب في زمن انفجار المعلومات–وكلها بالإنجليزية، لم يصل بالعربية إلى شيء تقريبا سوى رسالة جامعية على موقع الأهرام عرضها بطرس بطرس غالي عن الحرب في مجلة السياسة الدولية سنة 1975، دون أن يذكر مصر.

أما المصادر الإنجليزية فلا تذكر مصر إلا بشكل عابر لكنها تتفق على الدور الذي لعبته: قيام الطيارين المصريين وهم يقودون طائرات حربية روسية حديثة (إليوشين وفقا لبعض المصادرباعتراض طريق رحلات المؤن والإمدادات للجانب البيافري وقتل المدنيين البيافريين، إذ ألحقوا بهم خسائر كبيرة في الأرواح وهم في مواقع مدنية، ومن على ارتفاع منخفض، مثل مراكز إيواء اللاجئين والمستشفيات وغيرها بشكل واضح فيه استهدافهم، وكل هذا بعد وقت قليل جدا من هزيمة 1967 المرتبطة عسكريا بتدمير سلاح الطيران المصري. وهكذا فإلى جانب قوات الشمال النيجيري المسلم، قام “تحالف أممي من بريطانيا العظمى والاتحاد السوڤييتي ومصر وجامعة الدول العربية دون شفقة بقتل عدة ملايين من الأطفال والنساء والرجال الإجبو/البيافريين قصفا و…تجويعا.

وبالعودة إلى ويكيپيديا الإنجليزية، حيث أغلب المصادر المذكورة هناك في هذا الجانب تعود إلى أبحاث وكتب غير متاحة على الإنترنت بأي شكل، فمن الواضح أن الانفصاليين البيافريين كانوا مرتبطين بشكل ما بإسرائيل (مع فرنسا والبرتغال ودول أفريقية) ومع ذلك فإن قائمة المتحاربين على ويكيپيديا الإنجليزية لا تضع إسرائيل ضمن المتحاربين، على عكس ويكيپيديا العربية التي تضعها ولا تذكر مصر على الإطلاق.

اتخذت الحرب داخل نيچيريا شكلا إثنيا (عرقيا ودينيا وثقافيا في آن، وإقليميا أيضا حيث تقع بيافرا الانفصالية قصيرة العمر في الجنوب الشرقي)، وسرعان ما تحولت إلى قضية إنسانية بسبب المجاعة والأمراض. وفي المجمل أسفرت الإبادة عن سقوط ما يتراوح من مليون إلى ثلاثة مليون مدني.

وفي حوار جمال نكروما بعد ثورة 2011 مع محمد فايق “رجل عبد الناصر في أفريقيا” ونائب المجلس القومي لحقوق الإنسان بمصر وقت إجراء الحوار، ورئيسه فيما بعد، يقول فايق إن من ضمن التحديات التي واجهتها سياسة عبد الناصر في أفريقيا أنه “عند نشوب الحرب الأهلية النيچيرية بعد انفصال بيافرا ثارت ثائرة أمم أفريقية عديدة متعاطفة مع القضية البيافرية حيال موقف القاهرة الموالي لنيچيريا. واتهم الرئيس التنزاني چوليوس نيريري ونظيره الزامبي كينيث كاوندا مصر بدعم نيچيريا بسبب الانحياز الديني.” لكن أبطال الاستقلال أساؤوا فهم زميلهم المصري، بحسب فايق، الذي يقول إن الأخير أيد “سيادة نيچيريا ووحدتها الوطنية واتصالها الجغرافي”. و”عارض…بضراوة بلقنة أفريقيا”. وبقي أبطال الاستقلال أصدقاء مقربين “بغض النظر عن الاختلافات السياسية” و”كانوا يتحدثون بصراحة شديدة وتبادلنا الرؤى والأفكار بحرية”.

يصدق على الإنترنت بشدة القول المنسوب لهيرقليطس “إنك لا تنزل النهر مرتين”. وفي السنوات الأخيرة بالذات، تتسابق المؤسسات الصحفية والأراشيف الكبرى في نشر رصيدها وإتاحته للجميع على الإنترنت. وهكذا نتمكن لأول مرة من الوصول ليس إلى مقالات عن اغتيال السادات مثلا وإنما إلى نصوص وتسجيلات التقارير الصحفية الواردة من الوكالات والمنشورة والمذاعة في المنابر المختلفة في ذلك اليوم والأيام التالية ومرورا بجلسات محاكمة مغتاليه، إضافة إلى ڤيديوهات كالمذكورة أعلاه خرجت من مكتبات هواة التسجيلات والجامعين أو سربت من العاملين في مؤسسات.

لكن تبقى غريبة قلة المعلومات المتاحة عن حرب أهلية/جريمة إبادة حديثة ومجاعة كبرى دامت ثلاث سنوات على الأقل، ولعلها تشي بقلة المعلومات خارج الإنترنت أصلا. وربما كان من ضمن الأسباب بطء المؤرخين، إذا استبعدنا فكرة التكتم والمسكوت عنه. وبالطبع فإن الصمت لا يخص دور مصر فقط، بل ربما كان سببه الأساسي ضلوع قوى غربية كبرى. ولم ينشر تشينوا أتشيبي (وهو من إجبو بيافرا) مذكراته عن الحرب، “التي طال انتظارها” وفقا لبي بي سي، سوى في 2012، قبل وفاته في العام التالي. وحتى في الأدب، لم تظهر رواية تشيماماندا أديتشي المولودة بعد الحرب سوى في 2006. ومن اللافت أن مترجمتها إلى العربية، بعنوان «نصف شمس صفراء» (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009)، هي فاطمة ناعوت، الكاتبة البارزة المؤيدة للسيسي والجيش بعد انقلاب 30 يونيو والمذابح التي تلته والمحبة لعبد الناصر.

يرد ذكر مصر والمصريين مرتين في الرواية. ففي صفحة 425 من الطبعة المصرية يقول أحد الأبطال:

بوسعك أن تخبرهم كيف أننا مستمرون في الصمود منتصرين برغم الميج ال17 النيچيرية وال28 وال29 التي يقودها طيارون روس ومصريون وتقذفنا بالقنابل كل يوم، وكيف أن بعضهم يستخدم طائرات ركاب يدحرجون منها القنابل بخشونة ليقتلوا النساء والأطفال…

وفي صفحة 469، يدعو قس في صلوات الصباح قائلا:

الرب يبارك فخامته! الرب فليعط تنزانيا والجابون القوة! فليدمر الرب نيچيريا وبريطانيا ومصر والجزائر وروسيا! باسم المسيح المقدس!

وفي مذكرات أتشيبي، يرد ذكر المصريين 4 مرات منها مثلا في صفحة 136، تحت عنوان “دماء، دماء في كل مكان”:

وجد البيافريون أنفسهم تحت هجوم كثيف بعد هجمة وسط الغرب. فسيطرت الفرقة الأولى في الجيش بقيادة محمد الشوة، بسرعة، متقدمة مع ثيوفيلوس دانچوما، على مدينة نسوكا الجامعية، ثم قصفت بلا هوادة عاصمة بيافرا بأسلحة ثقيلة. ساعد في العملية العسكرية الطيارون المرتزقة المصريون وهم يقودون طائرات الجيش النيچيري الجديدة البريطانية و…التشيكية و…السوفييتية.

اسم بوكو حرام Boko haram، حيث الكلمة الأولى بلغة الهاوسا والثانية عربية، قد يعني “الفساد حرام” وقد يعني “التعليم الغربي حرام”، حيث كلمة بوكو تحريف لكلمة book. أما كلمة poco فهي اختصار لمصطلح postcolonialism (ما بعد الاستعمار). وقصة مصر في بيافرا ترينا وضعنا بالضبط في ظل ما بعد الاستعمار، وأن ما بعد الاستعمار حرام، حرام يجب إزالته.

نشر على موقع المصري اليوم بتاريخ 16 مايو 2014، والجملتان بالخط الغليظ تصحيحان تعذر إدخالهما هناك.

نُشِرت في مقالات, مساهمات في مواقع, صحافة | الوسوم: , , , , , , , , , , , , , , , , | تعليق واحد

الحكي أو الموت

1486413903-Truth_and_Reconciliation__tickets

لا أحب أن تلغى عقوبة الإعدام مرة واحدة. لا ليس لمخاطرة غياب الرادع وانفلات عقال القتلة المحتملين. القتلة الحقيقيون، المنهجيون، شرعيون، لهم وضع رفيع في الدستور ومؤسسات ذات وضع قانوني. أحب أن توجد مرحلة وسيطة يقتصر فيها الحكم بالموت على كبار رجال السلطة وبطريقة شهرزاد: الحكي أو مسرور. لن يجد السياف الذي سيستبدل بعشماوي شغلا كثيرا، لكن هذا لا يعني ألا يأخذ عمله بجدية، فسيكون هناك دائما نظريا احتمال توقف المحكوم عليه أو امتناعه أو عدم إقناعه لنا نحن الشهريار الجماهيري أو إصابته لنا بالملل.

لن يكون المطلوب قصصا خياليا بل سلسلة من الاعترافات. ولأسباب جلية سيكون من مصلحة المحكوم عليه سرد أدق التفاصيل بصورة ستفيد أيضا، كمنتج جانبي، الباحثين في حقول الكتابة التاريخية وعلم الذاكرة والنصوص التشعبية، بينما تفيد عملية بناء المجتمع الجديد نفسه على ضوء القصص وظهور الأبطال.

وعلى غرار ألف ليلة وليلة نفسها ستولد تقنيات سرد جديدة ومدهشة. فلن تكون إعادة إنتاج القصة داخل قصة كافية للبقاء، إذ يتطلب الأمر سعة حيلة وقدرة غير متوقعة عند ضابط مخابرات أو رئيس محكمة أفنى عمره في الخداع من موقف قوة. ستظهر مثلا حالة يمكن تشبيهها بمعضلة زينو، فتئول الدقة شيئا فشيئا إلى تجمد سرمدي للزمن، بين ساقي أخيل وأرجل السلحفاة. أو على العكس ستتوالى السرديات بطريقة عدسة مقربة لا نهائية، فنسمع نسخة شديدة الإيجاز من الاعترافات تليها نسخة أقل تلخيصا، وهكذا. والنتيجة في كل الحالات تقريبا: تاريخ للطبقات الحاكمة تكتبه هي ولكن…بشروط الطبقات المحكومة.

المحكمة الجديدة تتجاوز فكرة المحكمة بالمعنى الرجعي الإجرائي. لن يكون لدينا هنا متهم حتى تثبت إدانته، فالإدانة سابقة أصلا وهي التواجد في هذا الموقع الرفيع أو ذاك من الطبقة الحاكمة. وبالطبع يبدو الأمر أوقع في بلدان ألف ليلة وليلة: الهند وفارس وبلاد العرب، حيث الشرطة تعذب والحكومة فاسدة والقضاء داعر دون مواربة والنظام فاشل. وسيهب الحقوقيون دفاعا عن ذلك الفارق الكبير بين شرودر وبوش ومبارك. لكن كل هذا سيتراجع رويدا رويدا ليس بفضل جهود لجنة لتقصي حقائق الاستعمار، ولكن مع توالي الحكايات الشهرزادية.

سيعتد بعض السادة بأنفسهم ويتهيأون ليكونوا شهداء البربرية، بربريتنا.

“لن نحكي شيئا!”
“كل شيء دار في العلن ومسجل في المحاضر والمضابط.”
“هذا التسريب من ويكليكس أخرج من سياقه.”

لكن الأكثرية ستتطهر بالحكي لتتخلص من جنون الاعتداد بالنفس الذي أصابها النظام به، مقابل جنون الشك في النفس الذي أورثنا إياه.

لن نرضى إلا بالشفافية الكاملة بأثر رجعي. عندما كانوا هم يتحكمون بآلة العسس كلية الوجود التي أحصت علينا أنفاسنا كان الوضع معكوسا: كنا نحكي أو نموت؛ نكشف ذواتنا أمامهم قسرا لأن البديل هو ألا نكون شيئا؛ ألا نحيا ولو بمعنى البقاء، ولكن كان ثمن هذا أيضا موتا محتملا، وهو ما يجعلنا – وهذا ليس الدليل الوحيد – أرحم وأرقى.

ولأننا أيضا عندما تحين ساعتهم (وسنرتب لهذا بشكل محكم لأسباب جلية، مدفوعين بشوقنا للقطيعة ولا نفهم الانتقام) سنسوقهم إلى بعض الشجر الكثير الذي سيكون قد حل محل غاباتهم الخرسانية وسجونهم. وهناك سنشنقهم. لكننا في اللحظة الأخيرة، مثل هاينرش هاينه ذي القلب الطيب، سنسامحهم. ولكن ليس قبل أن نشنقهم.

وسيكون هذا في الليلة الثانية بعد الألف.

نُشِرت في خواطر | الوسوم: , | 2 تعليقان